35 عاماً على الاستقلال.. الحرب تخير الأوكرانيين بين البقاء والقتال أو الرحيل

35 عاماً على الاستقلال.. الحرب تخير الأوكرانيين بين البقاء والقتال أو الرحيل


تستقبل أوكرانيا الذكرى الـ35 لاستقلالها في ظل واقع مختلف جذرياً عن ذلك الذي رافق انفصالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، بعدما أمضت نحو ثلث سنوات استقلالها تحت وطأة الصراع مع روسيا، فيما تضع الحرب المستمرة منذ سنوات ملايين الأوكرانيين أمام خيارات صعبة بين البقاء في بلد يعيش حالة تعبئة عسكرية طويلة الأمد، أو الرحيل بحثاً عن الأمان، أو الانخراط مباشرة في القتال.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبيرغ»، باتت هذه الخيارات جزءاً من التحولات الديموغرافية والاجتماعية العميقة التي تشهدها البلاد، في وقت لا تلوح فيه نهاية قريبة للحرب الروسية، بينما تتراجع أعداد السكان وتتزايد الضغوط على القوات المسلحة والمجتمع والاقتصاد.

كلفة البقاء
بالنسبة إلى الأوكرانيين الذين اختاروا البقاء، أصبحت الضربات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والتعبئة العسكرية والقيود المرتبطة بالأحكام العرفية جزءاً من الحياة اليومية.
ولم تجر أوكرانيا انتخابات منذ 6 سنوات بسبب الأحكام العرفية المفروضة خلال الحرب، في وقت يستمر فيه التجنيد الإجباري لمعظم الرجال، مع احتمالات بأن يتسع نطاقه مستقبلاً، وفق «بلومبيرغ».
ورغم الضغوط، لا يزال جزء كبير من المجتمع الأوكراني يظهر استعداداً لتحمل حرب طويلة. وأظهر استطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» في أواخر يوليو-تموز ومطلع أغسطس-آب أن نحو ثلثي الأوكرانيين مستعدون لتحمل الحرب طالما كان ذلك ضرورياً.
لكن هذه النسبة تتغير بتغير ظروف الحرب. ففي أبريل-نيسان الماضي، وبعد شتاء شهد هجمات روسية مكثفة على منشآت الطاقة وانقطاعات طويلة للكهرباء والتدفئة، بلغت نسبة من قالوا إنهم مستعدون للاستمرار في تحمل الحرب 48% فقط.

بلد يفقد سكانه
تتجاوز تداعيات الحرب الخسائر العسكرية والمادية إلى أزمة ديموغرافية متسارعة. فقد دخلت أوكرانيا مرحلة الاستقلال عام 1991 بعدد سكان رسمي بلغ نحو 54 مليون نسمة، قبل أن يتراجع العدد إلى نحو 41 مليوناً بحلول عام 2021.
وبعد موجة النزوح والهجرة التي أعقبت الغزو الروسي واسع النطاق في فبراير-شباط 2022، انخفض عدد السكان إلى نحو 29 مليون نسمة حالياً، بحسب شخص مطلع على حسابات السلطات الإحصائية الحكومية تحدث إلى «بلومبيرغ»، وهو مستوى مماثل لتقديرات نشرها «معهد بتوخا للديموغرافيا والدراسات الاجتماعية».
وتكشف هذه الأرقام حجم التحدي الذي قد تواجهه أوكرانيا حتى بعد انتهاء الحرب، إذ لا يرتبط مستقبل البلاد بإعادة إعمار البنية التحتية والاقتصاد فقط، وإنما أيضاً بقدرتها على الاحتفاظ بسكانها واستعادة ملايين المواطنين الذين استقروا خارجها.
وتجسد يارينا ياكوفيشين، البالغة 45 عاماً، جانباً من هذا التحول. فقد غادرت كييف نهائياً مع بناتها الثلاث بعد تعرض الأسرة لموجة من الضربات ليلة رأس السنة عام 2022، وانتقلت إلى كندا، بينما بقي زوجها وابنها في أوكرانيا للخدمة في الجيش. وتقول إنها اتخذت القرار لأنها لم ترغب في أن يشاهد أطفالها تجربة مماثلة مرة أخرى.

ضغوط التجنيد
في المقابل، تفرض الحرب خيارات أكثر تعقيداً على الرجال الخاضعين للتجنيد، إذ دفعت بعضهم إلى محاولة مغادرة البلاد بطرق محفوفة بالمخاطر.
ويعيش في الولايات المتحدة حالياً أوكراني يبلغ من العمر 39 عاماً، عرّفته «بلومبيرغ» باسمه الأول فيتالي، بعدما عبر نهر تيسا إلى رومانيا معرضاً نفسه لخطر الغرق. وقال إنه غادر بسبب ما وصفه بالفساد وعدم العدالة، إضافة إلى صعوبة تربية طفلته في ظل الضربات الجوية المتواصلة.
وتشير البيانات الرسمية التي أوردها التقرير إلى وجود نحو 1.5 مليون رجل على قوائم المطلوبين للشرطة بسبب التهرب من التجنيد، فيما يُسجل نحو 200 ألف جندي أوكراني في عداد الغائبين من دون إذن، رغم أن الرقم يشمل أيضاً جنوداً تركوا مواقعهم بهدف الانتقال إلى وحدات عسكرية أخرى. كما أصبحت المواجهات بين الرافضين للتجنيد ومسؤولي مراكز التعبئة أكثر شيوعاً.
وفي المقابل، لا يزال آخرون يرون المشاركة في الحرب واجباً لا يمكن التخلي عنه. فقد تطوع فولوديمير، وهو مدرس وطالب دكتوراه يبلغ 41 عاماً، في الأسابيع الأولى للغزو الروسي، ولا يزال يخدم في الجيش. وقال إن أحداً لم يكن يتوقع في بداية الحرب أن تستمر كل هذه المدة.
كما تركت فيكتوريا هونشاروك عملها في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية لدى «مورغان ستانلي“ في نيويورك وعادت إلى أوكرانيا، حيث تدربت مسعفة قتالية، قبل أن تتولى قيادة تطوير تقنيات دفاعية لصالح لواء الاقتحام الثالث. وترى أن أفضل ما يستطيع الأوكراني فعله حالياً هو العودة والعثور على المجال الذي يمكنه من خلاله تحقيق أكبر تأثير، حتى إذا كان خارج المؤسسة العسكرية.
لكن المتطوعين الجدد أصبحوا أكثر ندرة مع دخول الحرب عامها الخامس، في وقت تتزايد فيه مطالب الجنود الموجودين على الجبهات بالحصول على بدلاء بعد سنوات من القتال والاستنزاف.

استقلال بثمن متزايد
تأتي هذه التحولات فيما تستعيد أوكرانيا مساراً تاريخياً بدأ بإعلان البرلمان الاستقلال في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف عام 1991. وفي الأول من ديسمبر-كانون الأول من العام نفسه، أيد 92% من المشاركين في استفتاء شعبي إعلان الاستقلال، وسط نسبة مشاركة تجاوزت 84%.
لكن العلاقة مع روسيا عادت لتصبح العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الدولة الأوكرانية. ففي فبراير-شباط 2014، سيطرت القوات الروسية على شبه جزيرة القرم، قبل اندلاع الصراع في شرق أوكرانيا، ثم أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الغزو واسع النطاق في فبراير-شباط 2022.
ويقول بطل المصارعة الأولمبي والنائب الأوكراني جان بيلينيوك، الذي ولد في العام نفسه الذي حصلت فيه أوكرانيا على استقلالها، إن الجيل الذي عاش بداية الاستقلال حصل عليه من دون دفع كلفته فوراً، بينما أصبح على الجيل الحالي تحمل ثمن الحفاظ عليه.
وبعد 35 عاماً، تبدو هذه الكلفة أكبر من ساحات القتال وحدها. فهي تمتد إلى تقلص السكان، وانقسام الأسر بين الداخل والخارج، واستمرار التجنيد، وتغير طبيعة الحياة المدنية، فضلاً عن احتمال بقاء الاعتبارات الأمنية في صميم حياة الأوكرانيين حتى بعد التوصل إلى تسوية تنهي الحرب.
وتقول يفهينيا أوليكسندروفا، البالغة 73 عاماً التي تتذكر فرحتها باستقلال البلاد عام 1991، إنها لم تفكر في مغادرة كييف منذ بدء الحرب، رغم تفهمها لقرار الأمهات اللواتي غادرن مع أطفالهن. وبالنسبة إليها، أصبحت الحياة مزيجاً من التفاصيل اليومية والاحتماء من الضربات ومشاهدة آثار الحرب من نافذتها.
ومع غياب مؤشرات على عودة سريعة إلى حياة ما قبل الحرب، يتجه السؤال الذي يواجه أوكرانيا في ذكرى استقلالها إلى ما هو أبعد من كيفية إنهاء القتال، ليشمل شكل الدولة والمجتمع اللذين سيخرجان منه، وما إذا كان ملايين الأوكرانيين الذين غادروا سيعودون، وكيف ستتمكن البلاد من توزيع كلفة الدفاع وإعادة الإعمار على مجتمع تقلص عدده وأرهقته سنوات الحرب.