«إلدورادو» القطب الشمالي.. ما مدى واقعية غزو ترامب لغرينلاند؟
جدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد ساعات من الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، سعيه لضم جزيرة غرينلاند في مؤشر على أن «سيناريو كاركاس الهوليوودي» قد يتكرر، لكن بنسخة مختلفة، في الجزيرة القطبية. ولا يعد هذا الطموح الأمريكي، رغم غرابته، مجرد نزوة سياسية لترامب المعروف بطبع مزاجي، بل يعكس تحولاً في ذهنية واشنطن حيال أمنها الاستراتيجي، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه في استخدام القوة لتحقيق هدف ما.
أطماع أمريكية
تعد غرينلاند أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.16 مليون كيلومتر مربع، بينما لا يتجاوز عدد سكانها 60 ألف نسمة، يعيشون على الشريط الساحلي الجنوبي والغربي، حيث تسمح الظروف المناخية بحدّ أدنى من الاستقرار البشري، إذ يغطي الجليد نحو 80% من مساحتها.
وتتمتع الجزيرة منذ عام 1979 بحكم ذاتي ضمن مملكة الدانمارك، تعزّز عام 2009 بصلاحيات أوسع في إدارة مواردها الطبيعية، واعتماد لغتها الرسمية، والتحكم في معظم شؤونها الداخلية، مع بقاء ملفات الدفاع والسيادة والسياسة الخارجية بيد كوبنهاغن.
هذا المسار التدريجي نحو توسيع صيغة الحكم الذاتي أسهم في ظهور نخبة سياسية محلية لم تعد تنظر الى الجزيرة كإقليم تابع، بل ككيان في طور التشكل يبحث عن الخصوصية والاستقلالية، وهذا ما يفسر، بحسب خبراء، حساسية المجتمع المحلي تجاه أي مشروع ضم أو وصاية، بمعزل عمن يطرحه.
غرينلاند، التي تبعد عن ولاية ألاسكا الأمريكية بنحو 800 كم، وعن واشنطن بنحو 3300 كم، لم تدخل الحسابات الأمريكية بشكل طارئ، كما أن ترامب لم يخترع فكرة الضم من الفراغ، بل لها جذور تاريخية.
خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد احتلال ألمانيا النازية للدانمارك عام 1940، تولّت الولايات المتحدة عملياً حماية الجزيرة، خشية استخدامها قاعدة متقدمة من قبل دول «المحور» الخصوم، ومع نهاية الحرب، تضاعفت أهمية الجزيرة في الفكر الاستراتيجي الأمريكي. في عام 1951، وقّعت الولايات المتحدة والدانمارك اتفاقية سمحت بإنشاء قواعد أمريكية في الجزيرة، أبرزها قاعدة ثول الجوية، التي تحوّلت إلى عنصر مركزي في منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية السوفياتية، خلال حقبة الحرب الباردة.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه القاعدة لم تكن مجرد منشأة عسكرية، بل جزءاً من تصور أشمل للأمن القومي الأمريكي يقوم على السيطرة على المجال الجوي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. وحتى فكرة شراء غرينلاند ليست جديدة، ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان، شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار، وهو ما رفضته الدانمارك.
هذه الوقائع تبرهن أن «الأطماع الأمريكية»، حسب وصف خبراء، يمتد لعقود، وأن ترامب حينما طالب بضم غرينلاند، لم يأتِ بجديد سوى إحياء الفكرة في توقيت تتصاعد فيه أهمية الجزيرة.
أهمية غرينلاند
ويعزو خبراء أهمية غرينلاند الى عدة عوامل أبرزها، من المنظور العسكري، تطوير القوى الكبرى للصواريخ فرط الصوتية والعابرة للقارات، وهو ما أعاد الاعتبار لمناطق الرصد المبكر وخطوط الدفاع الجوية في القطب الشمالي، ولا شك أن غرينلاند تحقق هذه الفائدة.
وثمة عامل آخر وهو الثروات والموارد الطبيعية التي تتمتع بها الجزيرة، إذ تشير الدراسات الجيولوجية إلى امتلاك غرينلاند احتياطات واعدة من المعادن النادرة واليورانيوم، والحديد، والزنك، وهي مواد أساسية في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
ويضاف إلى ذلك، عامل تغيّر المناخ، فذوبان الجليد في القطب الشمالي لا يعني فقط كارثة بيئية، بل يفتح أيضاً ممرات بحرية جديدة قد تختصر طرق التجارة بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، وهو ما سيجعل من غرينلاند ليس فقط مساحة شاسعة متجمدة بل فضاء استراتيجياً يمنح الأفضلية لمن يسيطر عليه.
نفوذ قطبي
لا يمكن تفسير أي تحرك أمريكي بمعزل عن الصين، القوة المنافسة، التي باتت تحدد سياسات واشنطن وتكشف دوافعها ورؤاها حيال مختلف القضايا، وغرينلاند واحدة منها.
برزت الصين خلال العقد الأخير لاعباً صاعداً في معادلة القطب الشمالي، رغم كونها دولة غير مطلّة جغرافياً على المنطقة، ففي عام 2018، أعلنت بكين نفسها رسمياً «دولة قريبة من القطب الشمالي»، وأدرجت المنطقة ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، عبر ما سمته «طريق الحرير القطبي».
وترافق هذا المسعى الصيني في البحث عن «نفوذ قطبي»، إذا جاز الوصف، مع اهتمام متزايد بغرينلاند، الأرض البكر، الحافلة بالموارد، ووعد بالنفوذ، وكأنها غدت «إل دورادو» حديثة تخبئ كنوزاً غير مكتشفة.
وفي ضوء ذلك، ســـــعت الشركات الصينية إلى الاستثمار في مشاريع تعدين في غرينلاند، خصوصاً في مجالات المعادن النادرة، كما أولت اهتماماً بتمويل وتطوير مطارات وموانـئ في الجزيرة، ورغم أن غالبية هذه المشاريع تعثرت أو علقت بفعل الضغوط الأمريكية والدانماركية، لكنها شكلت إنذاراً، وكشفت حجم القلق الأمريكي من «التغلغل الصيني الصيني».
ويحاجج خبراء بأن هذا ما تخشاه واشنطن بالضبط، اي أن تتحول الاستثمارات والمشاريع الصينية، مستقبلاً، إلى نفوذ سياسي، وهو ما يقود إلى استنتاج منطقي يتمثل في أن إعادة احياء ضم الجزيرة تأتي كاستجابة للتمدد الصيني، فلا يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بأي موطئ قدم للتنين الصيني في خاصرة الناتو الشمالية.
ومن الواضح أن ترامب، الذي يعرف بـ «رجل الصفقات»، قد اطّلع على توضيحات وشروحات بشأن هذه العوامل من مستشاريه، بحيث بدت مطالبته بضم غرينلاند امتداداً منطقياً لسياساته الرامية الى تكريس مبدأ «أمريكا أولاً».
ويرجح خبراء ان غرينلاند ستكون عصية في وجه هذه السياسة الترامبية التي تتجاهل أن السيادة ليست سلعة قابلة للتفاوض، وهو ما يفسر الموقف الدانماركي الصارم برفض تهديدات ترامب، وكذلك بيانات «بروكسل» التحذيرية.
اختلاف جوهري
عودة غرينلاند إلى الواجهة تزامناً مع اعتقال مادورو، دفع المحللين إلى عقد مقارنات بين الأمرين، واحتمال تكرار مغامرة كاركاس في نوك، عاصمة غرينلاند. لكن المحللين يشيرون الى اختلاف جوهري، ففنزويلا دولة منقسمة داخلياً، وتعاني أزمة شرعية وسط اقتصاد منهك، وتقع خارج التحالفات الغربية، وهو ما أتاح تنفيذ العملية التي انتهت باعتقال الرئيس، أما غرينلاند، فهي جزء من دولة حليفة هي الدانمارك، العضو في حلف الناتو، وأي تحرك قسري ضدها سينظر إليه كعدوان على الحلف نفسه. ويلاحظ المحللون أن المقارنة الأمثل تكون مع شبه جزيرة القرم، فواشنطن التي أدانت بشدة ضم روسيا للقرم عام 2014 لا تستطيع أن تقوم بفعل مماثل، وتحمُّل كلفة تناقض أخلاقي وسياسي دون تقويض مصداقيتها، ودورها في حفظ السلام العالمي.
واقعية الغزو
من المنظور العسكري البحت، فإن فائض القوة الذي تملكه الولايات المتحدة يتيح لها غزو الجزيرة والسيطرة عليها سريعاً، لكن السياسة الدولية، كما يشدد خبراء، لا تدار بمنطق القوة فحسب.
واللافت أن التهديد الأمريكي واجه رفضاً أوروبياً حاسماً، وهو ما يعكس إدراكاً لدى زعماء القارة بان هذه المسالة تتجاوز حدود الجزيرة، إذ يرون في أي تساهل مع منطق الصفقات الجغرافية، سابقة خطيرة قد تنعكس على ملفات أكثر حساسية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.
ويعتقد الخبراء أن أي تحرك أمريكي في هذا الاتجاه سينسف الحلف عبر الأطلسي، الذي يشهد حالياً تصدعاً وأزمة ثقة، ما يعني أنه معرض للانهيار عند أول اختبار. ورغم أن غزو غرينلاند لا يبدو واقعياً وكذلك الضم القسري ليس ممكناً، بحسب خبراء، غير أن طرح هذه الاحتمالات للنقاش في الفضاء العام، ولدى النخب الحاكمة يكشف أن البديهيات السياسية الراسخة، أصبحت عرضة للاهتزاز والشكوك، في عالم بات يخضع لشعار «القوة تصنع الحق»، لا العكس.