«اجعلوا كوريا عظيمة».. كيف عبرت قبعات ترامب إلى قلب سيؤول؟
في مشهدٍ يكسر المألوف في شوارع عاصمة كوريا الجنوبية سيؤول النابضة، سار رجلٌ يرتدي قناع دونالد ترامب متدثراً بالعلم الأمريكي كعباءة سيادية، يشق طريقه بثبات وسط حشودٍ تضج بقبعات حزب «القوة الشعبية» المحافظ.
لم تكن الشعارات المرفوعة مثل «أوقفوا السرقة» و»اجعلوا كوريا عظيمة مجدداً» مجرد اقتباسات عابرة، بل كانت إعلاناً عن ولادة نسخة كورية من الحركة الأمريكية.
هذا المشهد، وثقته مجلة «بوليتيكو» الأمريكية في تقرير من سيؤول، يكشف عن ظاهرة فريدة: كيف تتحول سياسات «ماغا» من حركة أمريكية محلية إلى أيديولوجية عابرة للحدود تُعاد صياغتها في سياقات محلية مختلفة؟.
«يون مجدداً».. محاكاة كورية لانتصار ترامب
في منتصف فبراير- شباط 2026، خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة قبل جلسة إصدار الحكم على الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول بتهمة إعلان الأحكام العرفية العام 2024 ومحاولة التمرد، امتد حشد ضخم على مدى 3 مبانٍ في شارع رئيسي بمنطقة غانغنام.
الجميع يهتفون «يون مجدداً»، الشعار اليميني الذي يعكس الرغبة في إعادة الرئيس المخلوع، الذي يرونه «ضحية مطاردة سياسية».
الأدوات الدعائية لـ»ماغا» ليست مصادفة، فترامب «شخصية ملهمة لحشد يون مجدداً»، شــــــخص واجــــــه محنتــــــه القانونية الخاصة، وانتصر والآن عاد إلى السلطة للانتقام من أعدائه.
«نخوض نفس المعركة»
يقول بارك جون يونغ، الزعيم البالغ من العمر 25 عاماً لمنظمة «جامعة الحرية»، وهي منظمة يمينية متطرفة لطلاب الجامعات استضافت عدة تجمعات: «نحن نخوض نفس المعركة - النضال لاستعادة السيادة الانتخابية. الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في نفس الوضع».
بينما كان الكوريون الأكبر سناً منذ فترة طويلة العمود الفقري للمحافظة في البلاد، يتواجد الشباب في كل مكان في هذه التجمعات - يلوّحون بالأعلام، ويرفعون اللافتات، ويغنون مع كبار السن.
منظمتان تقودان الحركة
وفقا لـ»بوليتيكو» هناك مجموعتان رئيسيتان موجهتان للشباب تروجان للمحافظين المتشددين في كوريا الجنوبية بنكهة «ماغا» وهما «بناء كوريا» و»جامعة الحرية».
«بناء كوريا» منظمة مصممة صراحة على غرار منظمة الشباب المحافظة «تيرنينغ بوينت يو إس إيه» (TPUSA)، ولها روابط مباشرة بدائرة «ماغا»، بما في ذلك دونالد ترامب جونيور، والراحل تشارلي كيرك، تأسست العام 2023، تسوّق نفسها الآن كمنظمة شبابية محافظة تروج للأفكار السياسية والثقافية اليمينية بين الشباب الكوري الجنوبي والكوريين الأمريكيين.
محور المنظمة هو مؤتمرها السنوي في كوريا الذي يجذب مئات الحضور ويضم ضيوفاً مرتبطين بالحركة المحافظة الأمريكية، وما يعطي المجموعة مصداقية هو قائمة متحدثي المؤتمر: شخصيات رئيسية في اليمين الأمريكي، بما في ذلك دونالد ترامب جونيور، ومستشار ترامب أليكس بروزويتز، وستيف بانون، وجاك بوسوبيك شاركوا في الماضي. وحضر كيرك نفسه المؤتمر شخصياً قبل أيام فقط من اغتياله في يوتا.
«جامعة الحرية».. ماغا بنكهة كورية محلية
أما «جامعة الحرية»، فهي منظمة «كورية في جوهرها». أسسها طلاب جامعيون عارضوا عزل يون ودافعوا عن قرار الأحكام العرفية في يناير- كانون الثاني 2025.
المنظمة ليس لها ارتباط مباشر بشخصيات «ماغا» أو دائرة ترامب. ومع ذلك، عندما يتوجه أنصارها إلى الشوارع حاملين العلم الأمريكي، يتضــــح أنهــــــم منغمسون في نفــس الثقافــــة الســـــياسية التي حددت سياسات «ماغا»: مزيج من الغضب الشعبوي، وعدم الثقة في المؤسسات، والاعتقاد بأن المحافظين محاصرون في معركة ضد النخب الأقوياء.
نظريات المؤامرة
أعضاء «جامعة الحرية» يروّجون بشكل متحمس لادعاءات جامحة حول تزوير الانتخابات في نظام التصويت الكوري الجنوبي، مردّدين نوع نظريات المؤامرة التي دفع بها ترامب وأنصاره بعد هزيمته الانتخابية العام 2020.
يجادل الأعضاء بشكل متكرر بأن انتخابات كوريا الجنوبية تم التلاعب بها، أحياناً يزعمون أن الصين لعبــت دوراً في تزويــــر النظام لإبقاء المحافظين خارج السلطة وتعزيز المصالح الشيوعية.
السلطات الانتخابية والمحاكم في كوريا الجنوبية تقول إنه لا يوجد دليل على تزوير واسع النطاق وقد رفضت هذه الادعاءات بشكل متكرر - لكن ذلك لم يفعل الكثير لإقناع هؤلاء الكوريين اليمينيين المتطرفين الشباب.
«أنقذوا كوريا»..
الأمل في تدخل أمريكي
سبب آخر يلوحون فيه بالعلم الأمريكي في الاحتجاجات: على أمل أن تنقذ الولايات المتحدة كوريا الجنوبية بنفس الطريقة التي يعتقدون أن ترامب ينقذ بها بلاده.
هذه الفكرة - أن الولايات المتحدة ستنقضّ بطريقة ما وتعيد يون كرئيس، أو أن ترامب سيضغط على الرئيس الحالي لإطلاق سراح يون - مستبعدة في أحسن الأحوال، لكنها تتحدث عن يأسهم.
تجربة كوريا الجنوبية تكشف عن بُعد عالمي جديد لظاهرة «ماغا»: فهي لم تعد مجرد حركة سياسية أمريكية، بل أصبحت ثقافة سياسية قابلة للتصدير، تُعاد صياغتها وترجمتها في سياقات محلية مختلفة.
من «بناء كوريا» التي تستورد «ماغـــــا» مباشــــــرة مـــــع مؤتمراتها ومتحدثيها الأمريكيين، إلى «جامعـــــة الحرية» التي تترجم روح «ماغا» - نظريات المؤامرة، عدم الثقة في النظام، الغضب الشعبوي - إلى قضايـــــا كورية بحتـة، تشــــــهد ســــــيول ميلاد نســـخة محلية من ظاهـــــرة عالمية.
والسؤال الأهم: إلى أي مدى ستنتشر هذه الظاهرة في بقية العالم؟.