«الاختبار الأخطر».. أزمة ثقة تعصف بالشراكة الأمريكية المكسيكية

«الاختبار الأخطر».. أزمة ثقة تعصف بالشراكة الأمريكية المكسيكية

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والمكسيك تدهوراً متسارعاً بالتزامن مع بدء المراجعة الرسمية لاتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «USMCA»، وسط تصاعد الخلافات المرتبطة بالأمن والجريمة المنظمة والفساد، وفقًا لما أوردته «فورين بوليسي».
ومنذ أن تمكنت القوات المكسيكية من القضاء على زعيم كارتل «خاليسكو الجيل الجديد»، الذي يُعد أقوى جماعات الجريمة المنظمة في البلاد، استجابة لضغوط مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المكسيك لتعزيز جهودها في مكافحة الكارتلات، شهدت العلاقات الثنائية الحين تراجعاً سريعاً، مع تبني واشنطن مواقف أكثر تشدداً تجاه قضايا الأمن والفساد في المكسيك، بالتزامن مع انطلاق محادثات مستقبل اتفاق «USMCA» في 28 مايو؛ إذ اختارت الولايات المتحدة بدء المفاوضات الثنائية مع المكسيك أولاً.
واتّسعت فجوة الخلاف الشهر الماضي بعدما أفادت تقارير بمقتل عنصرين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» في حادث سير أثناء مشاركتهما في عملية تستهدف مختبراً للمخدرات في ولاية تشيهواهوا المكسيكية. وقالت حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم إنها لم تكن على علم بوجود العنصرين داخل الأراضي المكسيكية، معتبرة أن ذلك قد يمثل انتهاكاً للسيادة الوطنية والدستور المكسيكي.
وأثار وجود عناصر الوكالة مخاوف إضافية في ظل تهديدات ترامب بإرسال قوات برية إلى المكسيك، فيما قالت شينباوم إن الأمر «لا ينبغي لأي مكسيكي أن يستخف به».
وعلى مدى العام الماضي، سعت شينباوم إلى الحفاظ على علاقة مستقرة مع ترامب، عبر إجراءات من بينها وقف شحنات النفط إلى كوبا وتسليم نحو 100 عنصر من الكارتلات إلى الولايات المتحدة، لكنها أكدت رفضها أي وجود مباشر للقوات الأمريكية على الأراضي المكسيكية.
من جهته قال مدير مركز الدراسات الأمريكية المكسيكية بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو رافائيل فرنانديز دي كاسترو، إن البلدين يعيشان «مواجهة حقيقية» بين رئيسيهما، مضيفاً أن العام الحالي يعد «الأصعب منذ عقود عديدة» بالنسبة للعلاقات الثنائية.
وبعد أيام من حادثة الـ»سي آي إيه»، ألقى السفير الأمريكي رونالد جونسون خطاباً في ولاية سينالوا ألمح فيه إلى أن إدارة ترامب ستوجه اهتمامها إلى ملف الفساد الحكومي في المكسيك، وكان ترامب قد اتهم مراراً مسؤولين مكسيكيين بإقامة «تحالف لا يُحتمل» مع الكارتلات، معتبراً أن هذه الجماعات تملك نفوذاً واسعاً على السياسيين.
وخلال خطابه، دعا جونسون المكسيك إلى «تجريم الرشوة والفساد وتطبيق مدونات سلوك على المسؤولين الحكوميين»، مضيفاً أن البلاد قد تشهد قريباً «تحركات مهمة» في هذا الملف.
وفي 29 أبريل، وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات إلى حاكم ولاية سينالوا روبين روشا مويا و9 مسؤولين حاليين وسابقين، بالعمل مع كارتل سينالوا لتهريب كميات كبيرة من الفنتانيل والهيروين والكوكايين والميثامفيتامين إلى الولايات المتحدة.
وأحدثت الاتهامات وطلب تسليم روشا مويا إلى الولايات المتحدة، صدمة كبيرة في المكسيك. ويعد روشا مويا عضواً في حزب «مورينا» الحاكم وحليفاً للرئيس السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، كما حظي بدعم علني من شينباوم.
وقال فرنانديز دي كاسترو إن طلب التسليم شكَّل نقطة تحول غير مسبوقة وأدى إلى توتر شديد في العلاقات الثنائية. من جانبها، طالبت شينباوم بمزيد من الأدلة قبل النظر في طلب التسليم، وقالت إن بلادها لن تحمي أي شخص ارتكب جريمة، لكنها اعتبرت أن غياب الأدلة الواضحة يجعل الهدف من الاتهامات الأمريكية «سياسياً».
ووضع الملف الرئيسة المكسيكية أمام معادلة صعبة بين السعي إلى إرضاء واشنطن أملاً في التوصل إلى اتفاق تجاري مناسب، واحتواء الأصوات المناهضة للولايات المتحدة داخل حزب «مورينا»، والتي ترفض تسليم حاكم سينالوا.
ورجحت تقديرات أن تضطر شينباوم في نهاية المطاف إلى تسليم روشا مويا نظراً لاعتماد الاقتصاد المكسيكي على السوق الأمريكية وبطء النمو الاقتصادي.
وتواصلت الضغوط الأمريكية بعد ذلك، إذ أفادت شبكة «سي إن إن» بأن وكالة الاستخبارات المركزية وسعت حضورها في المكسيك وشاركت في اغتيال أحد عناصر الكارتلات في مارس، وهو ما نفته شينباوم ووصفت التقرير بأنه «خيال بحجم الكون»، كما نفاه متحدث باسم الوكالة.
وقال السفير المكسيكي السابق لدى الولايات المتحدة أرتورو ساروخان، إن الأمور تتجه نحو ذروة التصعيد، محذراً من احتمال انهيار العلاقة على المستوى العملي وترسخ الانطباع في واشنطن بأن الحكومة المكسيكية توفر الحماية للعلاقات بين السياسيين والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ويتزامن هذا التوتر مع بدء مراجعة اتفاق «USMCA»، وهو ما يمنح الأزمة أهمية مضاعفة بالنسبة للمكسيك.
وأكد فرنانديز دي كاسترو أن الحفاظ على الاتفاق يمثل ضرورة قصوى للمكسيك، مشيراً إلى أن البلاد أصبحت الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة بفضله، كما أنها من أقل الدول تعرضاً للرسوم الجمركية في عهد ترامب.
وبموجب قواعد الاتفاق، يتعين على الدول الثلاث اتخاذ قرار بحلول الأول من يوليو بشأن تمديده لمدة 16 عاماً إضافية. وإذا لم يتم ذلك، سيظل الاتفاق سارياً مع إخضاعه لمراجعة سنوية حتى عام 2036، حيث يمكن أن تنتهي صلاحيته. كما يحق للدول الانسحاب منه بالكامل.
وفي الوقت نفسه، أثارت تهديدات ترامب تجاه كندا، بما في ذلك التلويح بضمها وفرض رسوم جمركية بنسبة 100% إذا أبرمت اتفاقاً تجارياً مع الصين، توترات إضافية دفعت أوتاوا إلى البحث عن بدائل تجارية أخرى.
ورغم ذلك، يرى محللون أن المكسيك تملك ورقة مهمة تتمثل في أهمية استقرار التجارة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي؛ إذ تسهم العلاقات التجارية في الحفاظ على استقرار أسعار العديد من السلع، من الأفوكادو إلى قطع غيار السيارات.