«الدول السبع» في مأزق.. كيف حسمت بكين حرب المعادن «قبل أن تبدأ»؟

«الدول السبع» في مأزق.. كيف حسمت بكين حرب المعادن «قبل أن تبدأ»؟

يرجّح خبراء مختصون في العلاقات بين الغرب والصين، بألا تُفضي «حرب المعادن النادرة» التي أعلنتها مجموعة الدول السبع ضد بكين إلى نتائج مؤثرة، معتبرين أن كسر الهيمنة الصينية على منظومة المعادن النادرة في حاجة لعقود طويلة، ولإرادة دولية جماعية، لا تزال مفقودة إلى اليوم.    وأقرّت مجموعة الدول السبع خلال قمتها الأخيرة في مدينة «إيفيان» الفرنسية، إستراتيجية حاسمة تهدف إلى وضع حدّ للهيمنة الصينية المطلقة على سوق المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة.
اتفق قادة الدول السبع الكبرى على تحديد سقف إلزامي لا يتجاوز 60% للاعتماد على أيّ مورد واحد بحلول عام 2030 في إشارة مباشرة وصريحة إلى الصين التي تحتكر الجزء الأكبر من هذه الإمدادات الإستراتيجية.

تحديد سقف إلزامي
وبحسب مصادر مطلعة متطابقة، يعتزم القادة فرض حصص إلزامية على الشركات الصناعية الكبرى لتقليص مشترياتها من المواد الخام الصينية. وتبدو صناعة المعدات الدفاعية والأمنية هي الأكثر استهدافًا بهذه الإجراءات، بالنّظر إلى الخطورة البالغة التي يشكلها اعتماد الجيوش الغربية على مكونات تسيطر عليها حكومة بكين.
ولضمان نجاح هذه الخطوة، تعهدت المجموعة بإنشاء منصة دولية مشتركة لتنسيق الجهود.  وستُركز هذه المنصة على مسارين أساسيين: الأول هو تمويل وتدشين مشروعات تعدين واستخراج معادن جديدة حول العالم، والثاني يتمثل في دعم وتطوير تقنيات إعادة تدوير المعادن لاستخلاص المواد الحيوية محليًّا.
وتُظهر البيانات الرسمية لوكالة الطاقة الدولية عمق المأزق الذي تواجهه دول مجموعة السبع؛ فالصين تسيطر حاليًّا على نحو 70% من سوق عمليات تكرير غالبية المعادن الحيوية، بل إن هيمنتها تقترب من الاحتكار الكامل في مواد نوعية، إذ تعاني الأسواق العالمية من اعتماد شبه مطلق على بكين التي تؤمّن 85% من الكوبالت المعالج، ونحو 99% من الغاليوم الأولي وهذا النفوذ يمنح التنين الصيني ورقة ضغط اقتصادي هائلة قُدِّرت قيمتها بنحو 1.2 تريليون دولار.

المأزق الغربي حيال الصين
يرى خبراء العلاقات الدولية والسياسات التنموية أن تنفيذ قرار مجموعة السبع لن يكون نزهة سهلة؛ فعمليات تعدين العناصر الأرضية النادرة وتكريرها تُعد من أكثر الأنشطة الصناعية كلفة ماديًّا، فضلًا عن أثرها البيئي البالغ وصعوبة الحصول على التراخيص الخاصة بها.
لذلك، فإن بناء سلاسل إمداد بديلة مستقلة تمامًا عن الصين يمثل التزامًا شاقًّا وطويل الأجل قد يستغرق سنوات عديدة تفوق الجدول الزمني المستهدف لعام 2030، وهو ما يضع الاقتصادات الغربية أمام اختبار حقيقي بين تلبية طموحات الاستقلال الجيوسياسي ومواجهة كلفة التصنيع المرتفعة. وفي تعليقه على هذه المستجدات، اعتبر الأكاديمي والباحث المتخصص في الشأن الآسيوي أحمد صبري السيد علي أنّ البيان المشترك لمجموعة الدول السبع لم يَذكر الصين بالاسم، إلا أنه يستهدفها مباشرة، فبكين تسيطر على نحو 70% من تكرير المعادن الحيوية عالميًّا، وتصنع ما يزيد على 95% من المغناطيسات الدائمة.

استهداف مباشر
وأضاف السيد علي في حديث لـ»إرم نيوز» أنّ القرار جاء بعد أن فرضت الصين قيودًا مشددة على صادرات المعادن النادرة والمغناطيس الدائم، وقيودًا على الصادرات الموجهة لليابان؛ ما أحدث اضطرابات في الأسواق العالمية وأظهر خطر الاعتماد المفرط على مصدر واحد.
وتابع أنّ الاتفاق لم يقتصر على تحديد السقف بنسبة 60% بحلول 2030 «والسعي للوصول إلى 50% لاحقًا»، بل شمل أيضًا إطلاق مشاريع تجريبية بآليات موحدة تبدأ بمعدني «الليثيوم» و»النيكل»، إضافة إلى إنشاء منصة لتنسيق الإمدادات الناتجة عن تدوير المعادن ومشاريع التعدين الجديدة، وتفعيل دور موسع لوكالة الطاقة الدولية وذلك لمراقبة الأسواق وإصدار الإنذارات المبكرة.  وأضاف السيد علي، أنّ موقف بكين والذي اعتبر هذا القرار تقويضًا للنظام التجاري الحر، يعكس ثقة بكين في تفوقها الحاسم فبناء سلاسل توريد وتكرير بديلة خارج الصين يتطلب، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، استثمارات ضخمة تصل إلى 60 مليار دولار ويستغرق سنوات طويلة بسبب التعقيدات البيئية والصناعية.
وأوضح أنه لتطبيق قرار سقف الـ 60% بنجاح، ستتوجه دول مجموعة السبع نحو شبكة من الشركاء الإستراتيجيين من خارج المجموعة، والذين يمتلكون احتياطيات ضخمة من المواد الخام. ومع ذلك، تواجه هذه الشراكات معضلة أساسية؛ وهي أن هذه الدول بارعة في الاستخراج من المنبع لكنها لا تزال تعتمد على الصين في التكرير والمعالجة. 
كما استعرض الباحث المختص في الشأن الصيني مجمل الصعوبات والعراقيل التي قد تعصف بقرار الحرب على المعادن الصينية، حيث كشفت مناقشات قمة إيفيان عن خلافات حادة ومقاومة من بعض الأطراف الدولية للضغوط الأمريكية الرامية لفرض قيود سعرية موحدة، وحصص، وآليات تسعير مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ومن بين العقبات أن العديد من الدول البديلة «خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية» تشهد موجة متصاعدة من «تأميم المعادن النادرة» وحظر تصدير خاماتها غير المصنعة بهدف إجبار الشركات على بناء مصانع محلية. كما تقع أجزاء كبيرة من الاحتياطيات البديلة في مناطق مضطربة سياسيًّا أو تشهد صراعات مسلحة للسيطرة على المناجم «مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية»؛ ما يجعل الإمدادات غير مستقرة وغير مضمونة بشكل دائم للغرب.

«مشروع فولت» الخطر الحقيقي
وخلال تطرقه إلى المشاريع التي تعدّها واشنطن لإطلاق «حرب المعادن» على الصين، أشار السيد علي إلى أنّ «مشروع فولت» يعتبر أول احتياطي إستراتيجي وطني للمعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة في تاريخ الولايات المتحدة. 
وقد أطلقه ترامب لضمان مرونة أمنية واقتصادية تمنع بكين من استخدام احتكارها لهذه المواد كورقة ضغط في المفاوضات التجارية الجيوسياسية، إذ يبلغ حجم التمويل الإجمالي المخصص للمشروع 12 مليار دولار. 
وحسب السيد علي، فلا يقتصر المشروع على مستودعات التخزين داخل أمريكا، بل يمتد وظيفيًّا لبناء ممرات إمداد لوجستية متعددة بالتعاون مع حلفاء دوليين، إذ تسعى واشنطن عبر «مشروع فولت» إلى توظيف آسيا الوسطى كبديل إستراتيجي لروسيا والصين وذلك بالنظر لغناها وثرائها بالمعادن الممتدة عبر جبال «الأورال» و»بامير»، وذلك عبر منصات اقتصادية تربط رأس المال الخاص الأمريكي بهذه الدول مباشرة.
كما يجري التنسيق مع 11 دولة إضافية «بينها أنجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية» لتوجيه تدفقات المعادن بعيدًا عن النفوذ الصيني، وربط ممرات المعادن بممرات الطاقة البديلة كالغاز والهيدروجين.