إعادة ترتيب مواقف القوى السياسية الفرنسية من إدارة المال العام

«القاعدة الذهبية» تفجر صراع اليمين واليسار

«القاعدة الذهبية» تفجر صراع اليمين واليسار


بعد 14 عاماً من مهاجمة «القاعدة الذهبية» باعتبارها قيداً على سيادة فرنسا، وجدت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان نفسها في معسكر الداعين إلى إدراجها في الدستور. 
ففي 2012، كانت لوبان تصف القاعدة الأوروبية لضبط العجز بأنها عبء «يثقل كاهل الشعوب كالرصاص»، قبل أن تعلن في أغسطس 2026 تأييدها وضع سقف دستوري للعجز الفرنسي.
هذا التحول يكشف إعادة ترتيب لافتة في مواقف القوى السياسية الفرنسية من إدارة المال العام. فبينما باتت الفكرة تجمع لوبان مع إيدوار فيليب وبرونو ريتايو وغابرييل أتال، يرى اليسار أنها قد تتحول إلى أداة لتقييد الإنفاق العام وفرض خيارات اقتصادية مسبقاً على الحكومات المقبلة. 

ما هي «القاعدة الذهبية»؟
المقترح بسيط في صياغته، فتحديد سقف دستوري لعجز الموازنة الفرنسية لا يمكن تجاوزه، بحيث يملك المجلس الدستوري صلاحية رفض أي ميزانية تخالف هذا السقف. 
الوزير الأول السابق تييري بريتون يقترح تحديد هذا السقف بـ1% بحلول 2032، بينما تسعى الحكومة الحالية لخفض العجز من 5.1% إلى ما دون 5%، بينما أنصار القاعدة يقولون إن الدستور وحده يُرغم الحكومات على الالتزام. 
ونلقلت صحيفة «لوباريزيان» عن فيليب جوفان، المقرر العام للميزانية عن اليمين الجمهوري قوله: «نرى بوضوح أننا بدون قيد لا نصل. بالقاعدة الذهبية تُصبح مسار الميزانية ملزماً. نحتاج خمس سنوات لتطبيقها.»

توافق اليمين والوسط المفاجئ
اللافت أن تبني لوبان للقاعدة جمعها في موقف واحد مع إيدوار فيليب وبرونو ريتيو وغابرييل أتال. ويعترف النائب الجمهوري جان-فيليب تانغي بالتحول: «تاريخياً، كان تيارنا السياسي معارضاً للقاعدة الذهبية، ليس لأننا لا نريد ضبط الحسابات العامة، بل لأنها قيد على السيادة الشعبية»، لكنه يُبرر التحول قائلا: «حين يكذب الماكرونيون والاشتراكيون، لا يمكن الوثوق بهم بعد الآن.» في المقابل الموقف اليساري أشد وضوحاً وأشد حدة. نائب اشتراكي وصفها بعبارة لا تحتمل الاجتهاد: «إنها فخ. لدينا قاعدة ذهبية أوروبية أصلاً ولا نحترمها أبداً. إذا هاجمتك روسيا غداً، لن تقول: آسف لديّ قاعدة ذهبية لا أستطيع شراء الدبابات.
من جهته جيروم غيدج، المرشح للانتخابات التمهيدية الاشتراكية، يُشكك في الجدية السياسية لأنصارها: «ما يهم ليس القاعدة نفسها، بل المقترحات لاحترامها. قاعدة رمزية بدون شجاعة سياسية تبقى عاجزة.» ويُضيف: «إنها رمزية بشكل مؤلم، لا تُعطي سوى انطباع بالرصانة لمن يروّج لها.» أشد ما يُحرج التجمع الوطني هو ما رصده نائب حركة رونيسانس بيير كازنوف: ثمة نوع من النفاق. في الوقت ذاته، يرفض التجمع الوطني توفير أي مدخرات في أكبر بند إنفاق وهو التقاعد». المفارقة واضحة: لوبان تطالب بقيد دستوري على العجز بينما تعد في الوقت ذاته بخفض سن التقاعد إلى 62 عاماً، وهو ما يتعارض مع هدف تقليص الإنفاق.

السؤال المفتوح: أي سقف؟
حتى الآن، لم تُحدد لوبان الرقم الذي تنوي اعتماده. جوفان يُلخّص التعقيد: «هناك ألف احتمال. السؤال الحقيقي هو: ما مستوى القيد الذي تريد فرضه؟»وهو سؤال يبقى بلا إجابة حتى تكشف لوبان تفاصيل برنامجها في الأسابيع المقبلة. الخلاف ليس فقط بين اليمين واليسار، بل داخل كل تيار. اليمين يتفق على المبدأ ويختلف على الرقم. واليسار يتفق على الرفض ويختلف على عمق الاعتراض. ويبقى الجميع أمام سؤال واحد: كيف تضبط ميزانية دولة تبلغ ديونها 3.5 تريليون يورو بقاعدة دستورية، وفي أي وقت وبأي سرعة؟.