«عبء إقليمي».. الهجرة الكوبية تعيد تشكيل حسابات أمريكا اللاتينية
تتجه موجات الهجرة الكوبية بشكل متزايد نحو دول أمريكا اللاتينية بدلًا من الولايات المتحدة، في تحول لافت يأتي وسط تشديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياساتها تجاه كوبا وملف الهجرة، واستمرار التدهور الاقتصادي والإنساني في الجزيرة.
ووفقًا لتقرير نشرته «فورين بوليسي»، تسعى إدارة ترامب، عبر حملة «الضغط الأقصى» على كوبا، إلى تأجيج السخط الداخلي بما قد يؤدي إلى إسقاط النظام الشيوعي، من خلال إجراءات تشمل حظرًا نفطيًا شاملًا، وتوسيع خطط الطوارئ العسكرية الأمريكية، وتوجيه اتهامات للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، إلى جانب تصاعد الدعوات داخل الكونغرس لتدخل عسكري ضد هافانا.
غير أن هذه الجهود لم تحقق أهدافها حتى الآن؛ إذ ما تزال الهجرة تمثل «صمام الأمان» الرئيسي لتخفيف الضغوط الداخلية في كوبا، رغم محاولات واشنطن الحد منها.
وعلى مدى عقود، كانت الولايات المتحدة الوجهة الرئيسية للمهاجرين الكوبيين خلال فترات الأزمات السياسية والاقتصادية، غير أن أنماط الهجرة بدأت تتغير مؤخرًا مع تزايد توجُّه الكوبيين إلى البرازيل والمكسيك وأوروغواي وإسبانيا.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، فرض ترامب قيودًا واسعة على الهجرة الكوبية، شملت إدراج كوبا ضمن قائمة تضم 39 دولة تخضع لقيود سفر كاملة أو جزئية، وإضافتها إلى قائمة أخرى تضم 75 دولة تواجه تجميدًا مفتوحًا لمعالجة التأشيرات.
كما ألغت الإدارة الأمريكية برنامج «الإفراج الإنساني المشروط» الذي كان يتيح دخول بعض الكوبيين بشكل قانوني إلى الولايات المتحدة، وأنهت محادثات الهجرة الثنائية التي كانت تُعقد بانتظام خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
ووفقًا لتقارير فإن محطات الهجرة الكوبية تاريخيًا إلى أمريكا، شملت «جسر كاماريوكا» عام 1965، وبرنامج «رحلات الحرية»، وأزمة «مارييل» عام 1980، وأزمة «البالثيروس» عام 1994، كما شهدت موجة النزوح الحالية، التي بدأت عام 2021، مغادرة ما بين مليون ومليونَي كوبي للجزيرة وفق معظم التقديرات.
وأشارت التقارير إلى أن السياسات الأمريكية الأخيرة فاقمت الأزمة الاقتصادية في كوبا؛ إذ ارتفعت معدلات التضخم، وتفاقم نقص السلع الأساسية والوقود، فيما باتت شبكة الكهرباء القديمة على وشك الانهيار.
ورغم نجاح إدارة ترامب في تقليص أعداد المهاجرين الكوبيين المتجهين إلى الولايات المتحدة، مع انخفاض حالات العبور غير النظامي بنسبة 99% مقارنة بفترة بايدن، فإن البيانات الإقليمية تظهر استمرار خروج أعداد كبيرة من الكوبيين نحو وجهات جديدة.
وفي البرازيل، ارتفعت طلبات اللجوء المقدمة من كوبيين من 22,288 طلبًا عام 2024 إلى 41,919 طلبًا عام 2025؛ ما جعل الكوبيين يمثلون 55% من إجمالي طالبي اللجوء في البلاد.
ووفق تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة في مارس 2026، تضاعفت معدلات الهجرة النظامية الصافية للكوبيين إلى البرازيل 3 مرات تقريبًا خلال الفترة نفسها؛ إذ يدخل معظمهم عبر غويانا قبل التوجه إلى ولايتَي «رورايما» و»ساو باولو» للعمل.
أمَّا في المكسيك، فقد ارتفعت نسبة الكوبيين الحاصلين على بطاقات «الزائر الإنساني» من 23% خلال عام 2024 إلى 78% بين يناير ويوليو 2025، بينما ارتفعت أيضًا نسب حصولهم على بطاقات الإقامة المؤقتة والدائمة.
كما سجلت أوروغواي الكوبيين كأكبر جنسية أجنبية تطلب الإقامة خلال عام 2025، في حين شهدت إسبانيا استمرار ارتفاع أعداد الوافدين الكوبيين عبر طلبات اللجوء وبرامج الحصول على الجنسية.
ويرجــــــع تحـــــــوّل مسارات الهجرة، وفقـــــــا لـ»فورين بوليسي»، إلى توفر مسارات دخول قانونية وفرص عمل ومجتمعات كوبية قائمة بالفعل في تلك الدول.
ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يُعقِّد استراتيجية إدارة ترامب في نصف الكرة الغربي، خصوصًا أن أغلبية الدول المستقبلة للمهاجرين الكوبيين، مثل البرازيل والمكسيك وأوروغواي، تقودها حكومات يسارية لديها خلافات معلنة مع واشنطن بشأن الهجرة والتجارة والسياسة تجاه كوبا.
كما أن استضافة أعداد كبيرة من المهاجرين الكوبيين قد تمنح هذه الدول أوراق ضغط إضافية في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة حول ملفات التجارة والهجرة وقضايا إقليمية أخرى.
غير أن دولًا مثل البرازيل والمكسيك قد تكون أقل استعدادًا للتعاون مع سياسات ترامب الخاصة باتفاقيات «الدولة الثالثة الآمنة» وترحيل المهاجرين، في وقت ما تزال فيه غويانا الدولة الوحيدة المنخرطة في مسار الهجرة الكوبية والمتوافقة مع واشنطن.
وتجدر الإشارة إلى أن تنامي الجاليات الكوبية في مدن مثل «ساو باولو» و»مكسيكو سيتي» و»مونتفيديو»، قد يؤدي إلى ظهور جماعات ضغط سياسية جديدة مشابهة لتلك التي تشكلت في ميامي، مع بقاء طبيعة تأثيرها السياسي المستقبلي غير واضحة.
.