رئيس الدولة وسلطان عمان يبحثان العلاقات الأخوية بين البلدين والتطورات الإقليمية
«مذابح فولينيا» تطارد زيلينسكي.. جرح تاريخي يفجّر أزمة بين بولندا وأوكرانيا
أعاد ملف مذابح فولينيا توترًا قديمًا إلى العلاقة بين بولندا وأوكرانيا، بعد قرار الرئيس فولوديمير زيلينسكي تسمية وحدة عسكرية باسم مرتبط بالجيش المتمرد الأوكراني، وهي خطوة أثارت غضبًا واسعًا في وارسو، وأدت في وقت سابق إلى سحب أرفع وسام بولندي من الرئيس الأوكراني.
وفي 14 آب-أغسطس، كشفت “رويترز” أن المحتوى المعادي لأوكرانيا باللغة البولندية ارتفع بأكثر من 250% بعد القرار، وفق تحليل للمعهد البولندي للشؤون الدولية، مع مؤشرات على تضخيم جزء من هذا المحتوى عبر نشاط آلي منظم.
وتكتسب القضية وزنًا سياسيًا أكبر مع تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الدعم العسكري لكييف في بولندا إلى 52%، مقابل 78% عام 2022، بحسب استطلاع حديث أوردته “رويترز”، في وقت تتداخل فيه قضية فولينيا، وهي منطقة تاريخية تقع معظم أراضيها اليوم في غرب أوكرانيا، مع خلافات الحبوب وأوضاع اللاجئين وصعود قوى يمينية قبل انتخابات 2027. وتقول وارسو إن نحو 100 ألف بولندي قتلوا هناك وبين المناطق المجاورة بين 1943 و1945 على أيدي قوميين أوكرانيين، بينما قتل آلاف الأوكرانيين في أعمال انتقامية.
كييف تحاول
احتواء الأثر السياسي
ويكشف مصدر دبلوماسي أوكراني لـ»إرم نيوز» أن كييف تلقت إشارات من حلفاء سياسيين لها في وارسو بأن تمرير حزم دعم جديدة لأوكرانيا قد يصبح أكثر صعوبة إذا استمر التصعيد حول فولينيا، بعدما بدأت قوى بولندية، لا سيما حزبي القانون والعدالة و”الكونفدرالية”، تربط بين المساعدات المقدمة لكييف وموقفها من القضايا التاريخية العالقة. ويقول المصدر إن التحذير الأهم بالنسبة للحكومة الأوكرانية هو وصول هذا الربط إلى البرلمان والقرارات المالية والأمنية.
ويذكر المصدر أن الحكومة الأوكرانية تراقب بصورة خاصة أثر هذا التوتر على ملفات العبور العسكري واللوجستي عبر الأراضي البولندية، وعلى الموقف الذي ستتبناه وارسو داخل الاتحاد الأوروبي عند مناقشة مساعدات جديدة لكييف، لأن بولندا تظل واحدة من أهم الدول التي تمنح أوكرانيا عمقًا سياسيًا ولوجستيًا داخل أوروبا.
بروكسل تراقب أثر
الخلاف على التنسيق
ويفيد مصدر دبلوماسي أوروبي في دائرة العمل الخارجي الأوروبي، يتابع ملفات أوروبا الشرقية والتهديدات الهجينة، لـ”إرم نيوز”، بأن اتساع الخلاف حول فولينيا داخل بولندا يثير اهتمامًا أوروبيًا، لأنه يمكن أن يصعّب التفاهم بين دولتين تؤديان دورًا أساسيًا في أمن شرق أوروبا، خصوصًا إذا بدأ تأثيره يمتد إلى ملفات تحتاج فيها كييف إلى تعاون مستمر مع وارسو.
ويلفت المصدر إلى أن الاتحاد الأوروبي سيشجع استمرار الاتصال المباشر بين الحكومتين إذا ارتفع مستوى التوتر، خاصة في ملفات المساعدات والنقل والتعاون الحدودي، لأن بقاء الخلاف مفتوحًا لفترة طويلة يمنح موسكو فرصة للاستفادة سياسيًا من التباعد بين وارسو وكييف.
ويضيف أن بروكسل تريد الحفاظ على التعاون العملي بين البلدين في الملفات الأمنية والسياسية التي تحتاج إلى تنسيق مباشر، مع ترك معالجة الخلاف التاريخي للعلاقة الثنائية بين بولندا وأوكرانيا.
ويتزامن الخلاف حول فولينيا مع ملفات أخرى ظلت موضع شد وجذب بين وارسو وكييف. إذ تواصل بولندا حظر واردات من القمح والذرة وبذور اللفت ودوار الشمس الأوكرانية، بينما ازدادت أهمية الطرق البرية عبر دول الجوار بعد تراجع صادرات الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود بنسبة 75% في النصف الأول من أغسطس.
كما عدلت وارسو هذا العام قواعد الحماية المؤقتة للأوكرانيين المقيمين على أراضيها، فيما أصبح حجم المساعدات والامتيازات المقدمة لهم موضوعًا حاضرًا في المنافسة السياسية البولندية. وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن العمال واللاجئين الأوكرانيين ساهموا في نمو الاقتصاد البولندي، وهو ما يزيد تعقيد الجدل الداخلي حول كلفة وجودهم ودعم كييف.
الخلاف يترك
أثرًا أوسع
ويرى المحلل السياسي الأوكراني بيتر زلماييف أن عودة فولينيا بهذه القوة تضع كييف أمام مشكلة سياسية حقيقية مع واحد من أهم شركائها الأوروبيين، لأن الخلاف أصبح حاضرًا في مواقف الأحزاب والرأي العام البولندي.
ويقول زلماييف لـ”إرم نيوز” إن كييف تحتاج إلى إدارة علاقتها مع وارسو بحذر أكبر، لأن الجدل حول فولينيا يمس مباشرة صورة أوكرانيا لدى جزء من المجتمع البولندي، فيما تبقى بولندا شريكًا أساسيًا لها في الدعم العسكري والعبور والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
أما الباحث السياسي الروسي دميتري أبزالوف، فيعتبر خلال تصريحات لـ”إرم نيوز” أن الخلاف حول فولينيا يعكس حدود التقارب السياسي بين بولندا وأوكرانيا، إذ استطاعت الحرب أن تقرب مواقفهما الأمنية من روسيا، لكنها لم تمحُ الخلافات القديمة المتعلقة بالهوية والتاريخ والمصالح الوطنية.
ويضيف أبزالوف أن فولينيا ستظل نقطة ضغط في العلاقة بين وارسو وكييف كلما ارتفع حضورها في السياسة البولندية، لكنه يستبعد أن تقود وحدها إلى تغيير واسع في موقع بولندا الأمني، لأن حسابات وارسو تجاه روسيا والحرب الأوكرانية أوسع من هذا الملف.
.