في مسلسل"النص التاني".. يستخدم الكوميديا كأداة للوصول إلى التاريخ بأسلوب مشوق

أحمد أمين: الكوميديا الحقيقية لا تُصنع بالصراخ أو المبالغة

أحمد أمين: الكوميديا الحقيقية لا تُصنع بالصراخ أو المبالغة

لم يكن الفنان المصري أحمد أمين مجرد ممثل كوميدي يُجيد إضحاك الجمهور، بل صاحب فلسفة ورؤية فنية، فكسر الصورة النمطية للكوميديان، عبر مسار قائم على الوعي بقضايا مجتمعه، والرهان على الفكرة، والبحث الدائم عن منطقة وسطى تجمع بين المتعة والعمق. فمنذ بداياته، بدا واضحًا أن مشروعه الفني يتجاوز حدود الإفيه إلى كوميديا نابعة من الموقف والواقع، ومن التاريخ، ومن الإنسان نفسه.

على مدار سنوات قليلة، استطاع أحمد أمين أن يضع اسمه كأحد أبرز نجوم جيله، ليس فقط بسبب نجاح أعماله جماهيريًا، وإنما لأنه قدّم نموذجًا مختلفًا للفنان الذي يختار أدواره بعناية بل ويشارك في صياغتها، ويحرص على أن تحمل كل تجربة بصمته الخاصة. فهو لا يتعامل مع التمثيل كوظيفة، بل كمشروع حياة، يسعى من خلاله إلى تطوير أدواته باستمرار، واكتشاف مناطق جديدة في الأداء، وعدم التوقف عند نجاح بعينه.

رحلة الـ 30 ثانية للبطولة المطلقة
عرف الجمهور أحمد أمين في البداية ككاتب ساخر وصاحب فيديوهات لا تتجاوز الـ30 ثانية، والتي حققت انتشارًا كبيرًا، قبل أن يلفت الأنظار بقوة من خلال برنامجه الشهير "البلاتوه"، الذي شكّل نقطة تحول مهمة في مسيرته، حيث قدّم كوميديا قائمة على الملاحظة الدقيقة والسخرية الذكية من تفاصيل الحياة اليومية، بعيدًا عن الابتذال أو المبالغة.
نجاح "البلاتوه" فتح أمامه أبواب التمثيل، ليبدأ رحلة جديدة في الدراما التلفزيونية، ويثبت سريعًا أنه يمتلك أدوات ممثل قادر على التنوع، وليس مجرد مقدم محتوى ساخر. جاءت أدواره الأولى لتؤكد امتلاكه حسًا تمثيليًا عاليًا، وقدرة على بناء الشخصية من الداخل، مع الحفاظ على خفة ظله الطبيعية.

كوميديا بلا افتعال
يؤمن أحمد أمين بأن الكوميديا الحقيقية لا تُصنع بالصراخ أو المبالغة، بل تنبع من الصدق وفهم النفس البشرية، لذلك يحرص دائمًا على تقديم شخصيات تشبه الناس، وتعيش أزماتهم، وتضحك من تناقضاتهم.
هذا التوجه جعله لا يتردد في خوض تجارب مختلفة، سواء في الدراما الاجتماعية أو التاريخية، أو حتى الأعمال ذات الطابع الإنساني العميق. كما وسّع نطاق حضوره الفني من خلال تجربة الـ Stand Up Comedy، التي بدأها العام الماضي، وقدم من خلالها عروضًا داخل مصر وخارجها، ساعيًا إلى نشر نموذج للكوميديا المعاصرة التي تحترم عقل الجمهور وتلامس وجدانه.

"النص".. شغف خاص بالتاريخ
من الملامح اللافتة في اختيارات أحمد أمين انجذابه الواضح إلى الأعمال المستلهمة من التاريخ، خاصة تلك التي تعيد قراءة الماضي من زاوية إنسانية، وتكشف عن أبطال شعبيين لم تنصفهم الكتب الرسمية.
هذا الشغف تجسّد بوضوح في مسلسل "النص"، الذي قدّم الجزء الأول منه في رمضان 2025 وحقق نجاحًا ملحوظًا، ليعود في رمضان 2026 بالجزء الثاني تحت عنوان "النص التاني"، ليواصل تجسيد شخصية عبد العزيز النُصّ، وهي شخصية مستوحاة من "مذكرات نشّال حقيقي نُشرت في عشرينات القرن الماضي"، وكشفت عن "عالم خفي مليء بالأسرار والاعترافات والتفاصيل الصادمة عن حياة اللصوص في تلك الفترة".
العمل يقدّم تحولًا دراميًا لافتًا، إذ ينتقل عبد العزيز النُصّ من مجرد نشّال سيئ السمعة إلى بطل شعبي، ينخرط في تأسيس حركة مقاومة وطنية ضد الاحتلال الإنجليزي، ويصبح جزءًا من شبكة معقدة من الصراعات السياسية.
يأتي الجزء الثاني استكمالًا لمسار التحول الذي شهده البطل في الموسم الأول، حيث يعيد عبد العزيز النُصّ تشكيل فريقه القديم من جديد، في محاولة لحماية ابنه من جهة، وللاستمرار في أداء دور يخدم مصالح مصر من جهة أخرى، في أجواء تسبق اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وتشهد الأحداث تصاعدًا في وتيرة الصراع، مع دخول البطل في ألعاب جاسوسية مزدوجة لصالح مصر فى أعتاب الحرب العالمية الثانية، وسط العديد من المفارقات التاريخية والكوميدية، فضلًا عن اختبارات أخلاقية صعبة، تُطرح من خلالها أسئلة حول معنى البطولة،
 وحدود التضحية، وثمن الانحياز للوطن.
يمزج "النص التاني" بين الطابع الكوميدي والبعد التاريخي، في توليفة باتت تمثل توقيعًا خاصًا لأحمد أمين، حيث تُستخدم الكوميديا كأداة للوصول إلى التاريخ بأسلوب مشوق ويجعله قريبًا من المشاهد البسيط، دون أن يفقد قيمته الفنية أو عمقه الدرامي.