أعمق من مجرد خلاف.. حرب النفوذ تحتدم بين أمريكا والبرازيل

أعمق من مجرد خلاف.. حرب النفوذ تحتدم بين أمريكا والبرازيل


تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والبرازيل تصعيدًا ملحوظًا في الأسابيع الأخيرة، تجاوز مجرد الخلاف الشخصي بين الرئيسين دونالد ترامب ولويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ليأخذ أبعادًا سياسية واقتصادية واستراتيجية أشمل، وسط منافسة متزايدة على النفوذ في أمريكا اللاتينية وصراع محتدم بشأن مستقبل النظام المالي العالمي.
وهدد الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على الواردات البرازيلية بدءًا من الأول من أغسطس، ضمن حملته لإعادة صياغة العلاقات التجارية الأمريكية عبر مفاوضات أكثر صرامة.
إلا أن دوافع التصعيد مع البرازيل لا تقتصر على التجارة فحسب، بل ترتبط أيضًا باعتبارات سياسية داخلية وخارجية، بحسب تقرير نشرته منصة ”وورلد بوليتكس رفيو“ المتخصصة في التحليل السياسي والاستراتيجي الدولي.
فترامب أبدى في أكثر من مناسبة تعاطفًا مع الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي حُرم من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة لعام 2026 ويُحاكم حاليًا بتهمة محاولة تنظيم انقلاب عقب خسارته في انتخابات 2022. وعلى النقيض من سياسة الإدارة الأمريكية السابقة التي رحبت بتولي دا سيلفا السلطة، فإن إدارة ترامب الحالية تنظر بريبة إلى حكومته اليسارية. وعبّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مرارًا عن عدم ثقته بدا سيلفا، بسبب تقاربه مع أنظمة سلطوية في كل من فنزويلا وكوبا، وفق تعبيره.
كما أعرب مشرعون جمهوريون عن انتقادات حادة للجهود البرازيلية في مكافحة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة على الإنترنت، معتبرين أن هذه الجهود تتعارض مع رؤيتهم الانتقائية لمفهوم حرية التعبير.

 إجراءات ملموسة
 وتصعيد شخصي
وفي هذا السياق، اتخذت إدارة ترامب إجراءات تصعيدية شملت إلغاء تأشيرات دخول الولايات المتحدة لتسعة قضاة في المحكمة العليا البرازيلية، من بينهم القاضي ألكسندر دي مورايس، المعروف بقيادته للملفات القضائية ضد بولسونارو وتنظيم الفضاء الرقمي.
وتزامنت هذه الخطوة مع توتر جديد عقب قمة مجموعة بريكس التي استضافتها البرازيل، والتي اعتبرها ترامب تعبيرًا عن خطاب مناهض للغرب ودعوة لنظام مالي متعدد الأقطاب. وتزايد الخلاف السياسي حدّةً بسبب الشخصيتين الحادّتين لترامب ودا سيلفا، فكلاهما يرفض التراجع أو تقديم تنازلات. وردًا على تهديد الرسوم الأمريكية، توعّد دا سيلفا برسوم مضادة، فيما أمر القاضي مورايس بمصادرة جواز سفر بولسونارو وتركيب سوار إلكتروني له لمنعه من مغادرة البلاد إلى الولايات المتحدة. ويرى مراقبون أن دا سيلفا يستفيد سياسيًا من هذا التوتر. وبحسب التقرير، فإن التصعيد مع ترامب أدى إلى إضعاف تماسك قاعدة بولسونارو الشعبية، ورفع من شعبية دا سيلفا في استطلاعات الرأي الأولية.

صراع نفوذ إقليمي وتحدٍ مالي
غير أن جذور النزاع أعمق من مجرد نزاع بين زعيمين. إذ يتجلى في الخلفية صراع طويل الأمد على النفوذ في نصف الكرة الغربي، حيث تسعى البرازيل، بصفتها أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، إلى أداء دور القائد الإقليمي، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة للحفاظ على موقعها المهيمن في المنطقة.
المواجهة المقبلة على الأرجح ستكون حول النفوذ النقدي، لا سيما في ظل تزايد الانتقادات للدور المركزي الذي تؤديه العملة الأمريكية في النظام المالي العالمي. وبدأت البرازيل فعليًا بتقليص اعتمادها على الدولار من خلال تطوير نظام «Pix»، وهو منصة مدفوعات فورية تديرها الحكومة، ويستخدمها أكثر من 90% من المواطنين، فيما يشير ثلثا السكان إلى أنهم يستخدمونها بانتظام.  وقد زادت حساسية هذا الملف مع إقرار الكونغرس الأمريكي أخيرًا تشريعات لتنظيم العملات الرقمية المستقرة ”Stablecoins“، وسط رفض جمهوري لاستخدام العملات الرقمية التي تصدرها البنوك المركزية. ويضع هذا الموقف البرازيل تحت المجهر، إذ تستعد لإطلاق عملتها الرقمية المركزية “DREX”، التي ستكون من بين أوائل العملات الرقمية السيادية في العالم.

تحقيقات أمريكية
 وتوسع إقليمي مرتقب
في 15 يوليو، فتح الممثل التجاري الأمريكي، جيمسون جرير، تحقيقًا بموجب المادة 301 حول العراقيل غير الجمركية التي تواجه الشركات الأمريكية، مع الإشارة تحديدًا إلى نظام المدفوعات الرقمية في البرازيل، بما في ذلك «Pix»، على أنه قد يكون «تمييزياً أو غير معقول».
وتسبب هذا النظام بالفعل في تراجع حصة البنوك التقليدية وشركات بطاقات الائتمان الأمريكية من السوق، غير أن اقتصاديين يرون أن تفوق «Pix» يعود لجودته التقنية لا للحماية التجارية.
 وأكد الخبير الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، بول كروغمان، أن «Pix» حقق ما وعد به مروّجو العملات الرقمية دون أن يتمكنوا من تنفيذه، من حيث السرعة والسهولة والموثوقية في التحويلات. وترى حكومة دا سيلفا أن التحقيق الأمريكي يشكل استهدافًا سياسيًا لنظام مالي ناجح يحظى بدعم شعبي واسع داخل البرازيل. وتصاعد التوتر أيضًا عقب إعلان شركتي ”Verifone» الأمريكية و“PagBrasil“ البرازيلية، في 22 يوليو، عن اتفاق يسمح لتجار التجزئة الأمريكيين بقبول مدفوعات عبر «Pix» باستخدام الريال البرازيلي. لكن هذا الاتفاق يواجه عقبات تنظيمية، إذ قد يتطلب تراخيص عمل في عدة ولايات أمريكية.
ومع ذلك، فإن احتمال تشغيل نظام دفع أجنبي داخل السوق الأمريكية أثار مخاوف داخل إدارة ترامب وبين اللاعبين التقليديين في السوق المالي.

البرازيل تتجه جنوبًا
لكن البرازيل ليست بحاجة إلى السوق الأمريكية لتوسيع نفوذ «Pix». فهي قادرة على نشر النظام في دول مجاورة تعاني من أزمات نقدية خانقة، مثل الأرجنتين وفنزويلا، حيث يعتمد السكان بشكل متزايد على العملات الأجنبية والعملات الرقمية.

كذلك، تشكّل بوليفيا، التي تمر بأزمة سيولة، وكولومبيا، التي لا تزال تعتمد على النقد الورقي، أهدافًا محتملة للتوسع. ومن خلال تقديم نظام تحويل رقمي مرتبط بالريال البرازيلي، وهو عملة أكثر استقرارًا نسبيًا، يمكن للبرازيل ترسيخ مكانتها كقوة مالية إقليمية، في تحدٍ واضح لهيمنة الدولار.

صدام رؤى في زمن متوتر
ويقول التقرير إنه حتى لو لم يكن ترامب ودا سيلفا في السلطة، فإن نشوب نزاع مالي بين البلدين كان مرجحًا. إلا أن وجود هذين الزعيمين يزيد من خطورة وتقلّب المشهد. فبينما يتمسك ترامب بفكرته «أمريكا أولاً»، يسعى دا سيلفا إلى ترسيخ دور البرازيل في نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وعلى الرغم من أن الريال البرازيلي لا يُعد منافسًا مباشرًا لليورو أو اليوان على المستوى العالمي، فإن التكنولوجيا المالية التي طورتها البرازيل تمنحها أفضلية في تقديم بدائل فورية إقليمية للدولار.