مضاعفة تحصين الدرع الشرقي

ألمانيا تقود حملة منح مالية ضخمة لبولندا

ألمانيا تقود حملة منح مالية ضخمة لبولندا


كشفت مصادر دبلوماسية ألمانية، عن أن برلين تسارع الزمن في مضاعفة التحصين والتأهب للدرع الأوروبي الشرقي أمام أي تهديد روسي، وذلك بتحركها وسط الشركاء الأوروبيين، لتوفير دعم مالي جديد يقدم لبولندا في شكل “منح” وحزم تمويل كبيرة لدعم اقتصادها مع برامج دفاعية عسكرية متطورة قبل بداية فصل الشتاء، وذلك بعد تحرك مهم قام به المستشار الألماني فريدرش ميرتس، على الجبهة الأمامية بزيارة كييف قبل أسبوع. وأفادت المصادر الألمانية المطلعة على الملف الدفاعي لحلف شمال الأطلسي، أن برلين تستهدف من خلال تركيز الدعم المادي الأوروبي المتزايد الفترة المقبلة لبولندا من خلال وعاء “المنح” وليس القروض، مساندة اقتصادها وعدم تأثره بشكل أكبر بتهديد الحرب وتسريع تأهب ترسانتها وقدراتها في مواجهة الهجمات السيبرانية المتوقعة من موسكو الفترة المقلبة.
وأكدت المصادر، أن هناك تصورًا تم إعداده بين الشركاء الأوروبيين وتتحرك على أساسه ألمانيا، لتخفيف الضغوط على ميزانية بولندا وعدم ارتفاع الدين العام أكبر من الوضع الحالي، وهو ما طلبته وارسو بشكل مباشر في الأسابيع الأخيرة من برلين.
وأعلنت الحكومة البولندية مؤخرًا، تخصيص 26 مليار دولار لتعزيز منظومة الحماية المدنية خلال السنوات الأربع المقبلة، من خلال تطوير البنية التحتية والتجهيزات والملاجئ لحماية سكان البلاد البالغ عددهم نحو 37 مليون نسمة في حالات الطوارئ، في ظل مخاوف أمنية مرتبطة بروسيا.
 ويقول مصدر دبلوماسي ألماني رفيع المستوى، إن برلين تقود العمل على دعم الدرع الشرقي وتجهيز ضخ منح أوروبية في البنية التحتية المزدوجة المدنية والعسكرية في بولندا، والخاصة بشبكات الطرق والطاقة مع تعجيل بقية الدفعات الخاصة بصندوق التعافي الأوروبي لها قبل نهاية هذا العام.
 وأضاف الدبلوماسي الألماني، أن مع ارتفاع الخطر الأمني على أوروبا وقدوم فصل الشتاء الذي له حسابات أخرى على الجبهة المقاتلة حاليًّا بين موسكو وكييف وأيضًا الأمن الأوروبي لا سيما من حيث شق الطاقة والتدفئة في هذا التوقيت في ظل العمليات المحكمة التي تحركت على إثرها موسكو في قصف غير مسبوق لمنشآت الغاز والنفط في أوكرانيا، تندفع برلين لتمتين خطوط دفاع هذا الدرع.
وبين المصدر الدبلوماسي أن برلين لا تقف عند تقديم المساعدات العسكرية في الوقت الحالي لوارسو ولكن هناك خبرات ألمانية على الأرض، تعمل على تعزيز الردع على الأرض ببناء الحواجز الدفاعية وتثبيت المضادات والخنادق المضادة للدبابات خاصة في سوالكي وإقليم بودلاسكي. وأوضح أن المسار الذي تتعامل من خلاله برلين في تقديم كافة أشكال الدعم غير المسبوق لبولندا، لعدم تحملها ثقلًا اقتصاديًّا مستقبليًّا بسبب الضغط العسكري عليها لكونها في المواجهة، واستهداف إظهار التكاتف الأوروبي أمام الأوساط العسكرية والسياسية والمحلية، بجانب التجهيز الفعلي للمادة الخامسة من معاهدة الناتو، حال تعرض بولندا لهجوم روسي.
 وزار ميرتس قبل أسبوع كييف والتقى بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وسط دوي صفارات الإنذار وأصوات الانفجارات في قلب العاصمة، وأعلن عن حزمة مساعدات بـ1.35 مليار يورو للدعم العسكري وقطاع الطاقة مع توقيع شركات ألمانية مرافقة له 14 اتفاقية صفقات في التصنيع الدفاعي في الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والرادارات بـ 6.6 مليار يورو. ويرى أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور عبد المسيح الشامي، أن أوروبا تتعامل عمومًا من بداية الحرب حتى الآن على أساس أن بولندا هي خط الدفاع الحقيقي للعمق الأوروبي وتمثل الخطوط الفعلية الأولى في المواجهة مع موسكو، كونها عضوًا أساسيًّا بارزًا في الاتحاد الأوروبي.
 وأضاف الشامي ، أن أوكرانيا التي تخوض حربًا في الوقت الحالي أمام روسيا، كانت من عقود قريبة أرضًا ضمن خريطة ما كان يُعرف بالاتحاد السوفيتي وظل جانب من شعبها ينتمي لهذا الخط وبالتالي فإن بولندا هي الحدود الفعلية أمام روسيا، ولذلك الرهان على دعم وارسو مهم وحيوي في ظل التصعيد القائم على الجبهة الاوكرانية والذي يهدد العمق الأوروبي.  
وذكر الشامي أن ألمانيا من خلال زيارة ميرتس لكييف، خرج انطباع واضح وهدف أساسي، بأنها تريد أن تقود القوة العسكرية الأوروبية ضد روسيا ولن تعطي فرنسا هذا المكان ولن تسمح لبريطانيا بأن تتصدر هذا العمل وبالتالي هي البلد الأقوى ماليًّا وتريد استعادة مجدها العسكري وهي توزع الأدوار بشكل أو آخر في هذا الصدد. ورسخت زيارة ميرتس لكييف هذه الفكرة، والمهم الآن أن ألمانيا لا تتجهز وتحصن من أجل أوكرانيا بقدر ما هو من أجل استعادة موقعها العالمي كقوة عسكرية تقود القطب الأوروبي ليعود ويضاهي الروسي والأمريكي.
 وفهمت برلين ضرورة أن يكون الاتحاد الأوروبي قطبًا منفصلًا وفق الشامي عن الولايات المتحدة، يكون له استقلاليته وقوته العسكرية بعد ما جرى في أوكرانيا مع مجيء دونالد ترامب، لذلك تقود ألمانيا بناء القوة العسكرية الأوروبية وترسانتها من جديد وتقول للعالم إنها تستعيد قدراتها. وبالتالي بولندا وكل الدول التي هي في مواجهة مع روسيا ستتلقى المساندة من الاتحاد الأوروبي وهذا لا يعني أن هناك حربًا قادمة بالضرورة، ولكن الهدف إعادة التموضع في ظل معادلة القوة الجديدة التي تتجسد في قيادة ألمانيا الأوروبيين من خلال التركيز والاصرار وتقوية القدرة على التعامل العسكري مع التهديد الروسي. وخلُص إلى أن ما يجري حاليًّا من رسم المواقع، ليس هدفه محاربة روسيا بشكل مباشرة بل إعادة بناء نفسها والتعامل مع الخصومة لحين الوصول إلى المرحلة القادمة التي تهدد هذه الجبهة.