أوروبا والحرب الطويلة.. دروس أوكرانيا وإعادة بناء الجيوش
لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية مجرد نزاع إقليمي أعاد رسم خطوط التماس في شرق أوروبا، بل شكّلت اختباراً قاسياً لبنية الجيوش الحديثة، وكشفت هشاشة الافتراضات التي سادت بعد الحرب الباردة، حين اعتُقد أن الحروب الكبرى أصبحت من الماضي.
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي في موقع "جيبولتيكال فيوتشرز" البحثي الأمريكي، أندرو ديفيدسون، أن أوروبا بدأت تستوعب حقيقة مؤلمة: الانتصار في الحرب القصيرة لا يكفي، إن لم تكن الدولة قادرة على تحمّل الحرب الطويلة.
صدمة البداية
يرى الكاتب أن الغزو الروسي لأوكرانيا أجبر الحكومات الأوروبية على مواجهة سؤال كانت تعتبره من مخلفات القرن الماضي: كيف يمكن الحفاظ على القدرة البشرية والعسكرية في حرب طويلة عالية الكثافة؟.
وأوضح أن القوات الروسية والأوكرانية، عند اندلاع الحرب، كانت مهيأة لحملات سريعة، لا لصراع استنزافي ممتد. ومع تصاعد الخسائر، فقد الطرفان عناصر مدربة وذات خبرة بوتيرة أسرع من قدرتهم على تعويضها، ما اضطرهما إلى توسيع نطاق التعبئة العسكرية.
وأضاف الكاتب أن التجربة أثبتت أنه حتى الجيوش الكبيرة، إذا صُممت لعمليات قصيرة، ستعجز عن امتصاص الخسائر المتواصلة، ما لم تمتلك نظام احتياط عميقاً وفعّالاً.
أوروبا تتعلم الدرس
ويشير إلى أن دولاً أوروبية عدة بدأت بالفعل إعادة تقييم هياكلها العسكرية، فقد رفعت فرنسا سقف قوات الاحتياط العملياتية، ووسعت بولندا مكوناتها النشطة والإقليمية، فيما تناقش ألمانيا إصلاح نظام الخدمة العسكرية، بينما وسعت المملكة المتحدة معايير استدعاء الاحتياط الاستراتيجي.
وتابع موضحاً أن هذه الإجراءات لا تعني عودة التجنيد الإجباري الشامل، بل تعكس إدراكاً متزايداً بأن من يعجز عن حسم الحرب السريعة، عليه أن يكون مستعداً للفوز في الحرب الطويلة.
طبقات القوة البشرية في الحرب الحديثة
1. القوات الدائمة: رأس الحربة المكلف
أوضح الكاتب أن الجيوش الحديثة تعتمد نظاماً طبقياً لإدارة القوى البشرية. وتشكل القوات الدائمة الطبقة الأولى، وهي عالية التدريب وجاهزة فوراً، لكنها باهظة الكلفة ومحدودة القدرة على تعويض الخسائر الكبيرة.
2. الاحتياط: العمق الحاسم
وأضاف الكاتب أن قوات الاحتياط تمثل الطبقة الثانية والأكثر تأثيراً، إذ تتيح للدولة استعادة القدرة القتالية مع الحفاظ على المعايير المهنية. غير أن فاعليتها ترتبط بجودة التدريب، وجاهزية الإدارة، والقدرة القانونية على الاستدعاء، ومدى اندماجها مع القوات النظامية.
3. التعبئة السكانية: خيار الضرورة
أما الطبقة الثالثة، فهي التعبئة المباشرة من المدنيين عند عجز الاحتياط. ورغم أنها توسع قاعدة القوى البشرية، فإنها تحمل كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة، وقد تؤدي إلى تراجع جودة القوة القتالية.
روسيا وأوكرانيا: أرقام تكشف طبيعة الاستنزاف
أشار الكاتب إلى أن روسيا دخلت عام 2022 بقوة عسكرية قوامها نحو 900 ألف عنصر، بينما بدأ الانتشار الأولي في أوكرانيا بنحو 150 إلى 200 ألف جندي. وبعد الخسائر الكبيرة والتعبئة اللاحقة، ارتفع عدد القوات الروسية النشطة إلى أكثر من 1.1 مليون، وفق تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
في المقابل، تطورت القوات الأوكرانية من نحو 200 ألف جندي قبل الحرب إلى قرابة 730 ألفاً بحلول عام 2025.
وأوضح الكاتب أن التوسع العددي كان أسرع من القدرة على تدريب الاختصاصيين، ما أدى إلى زيادة عدد الجنود الأقل احترافاً. ومع ارتفاع الخسائر إلى مئات الآلاف وفق تقديرات المصادر المفتوحة، أصبح من الصعب عكس هذا الاتجاه. ويرى الكاتب أن العامل الحاسم لم يكن حجم القوى البشرية بقدر ما كان القدرة على استعادة الكفاءة المفقودة. فعندما تتجاوز الحرب افتراضات التخطيط، لا يكون القيد في عدد الأفراد الممكن استدعاؤهم، بل في سرعة تدريبهم وتجهيزهم ودمجهم.
وأكد أن الطاقة الاستيعابية لمراكز التدريب، وتوافر المدربين، والبنية التحتية اللوجستية، كلها تنمو بوتيرة أبطأ بكثير من وتيرة الخسائر. كما أن المنشآت العسكرية في ظل تقنيات الاستطلاع والضربات الدقيقة أصبحت أهدافاً معرضة للخطر، ما يعقّد عملية التعبئة.
وأضاف الكاتب أن أي تعبئة طويلة الأمد تفرض ضغوطاً على الاقتصاد، إذ يؤدي سحب الفئات العاملة من سوق العمل إلى إرباك النشاط الإنتاجي. ومع تكرار الاستدعاءات وارتفاع الخسائر، يتآكل التسامح السياسي، وتتعرض شرعية الحكومات للاهتزاز. وشدد على أن التعبئة لا تتعثر حين ينفد مخزون الأفراد، بل حين يعجز النظام السياسي عن تحمل كلفة التعويض المستمرة.
النموذج الأمريكي: القوة الشاملة
أوضح الكاتب أن نموذج "القوة الشاملة" في الولايات المتحدة يدمج وظائف حيوية – كاللوجستيات والاستخبارات والدعم الطبي – ضمن مكونات الاحتياط، ما يسمح باستعادة الكفاءة النوعية لا العددية فقط.
وخلص الكاتب إلى أن المخططين الدفاعيين الأوروبيين باتوا يدركون أن القوات الدائمة، مهما بلغت احترافيتها، تظل محدودة. فالحرب الحديثة ليست صراعاً على النيران والمناورة فقط، بل اختبار لمرونة المؤسسات وقدرتها على إعادة إنتاج القوة.
وأكد أن أوروبا لن تعود إلى التجنيد الشامل، لكن الإصلاحات ستركز على جاهزية الاحتياط، ومرونة الاستدعاء، وحماية الخبرات التخصصية، وتعزيز التكامل بين سوق العمل المدني والخدمة العسكرية.
وقال إن الدرس الأهم الذي تستخلصه أوروبا من الحرب في أوكرانيا هو أن الاستعداد لا يُقاس بحجم الترسانة فقط، بل بقدرة الدولة على الصمود المؤسسي. فالحرب الطويلة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة على التحمل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.