سقوط خيار الحسم البري

استنزاف العمق يُغير قواعد اللعبة بين موسكو وكييف

استنزاف العمق يُغير قواعد اللعبة بين موسكو وكييف


كشف مصدر استخباراتي غربي، أن مراكز الدراسات الدفاعية في الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لم تعد تنظر إلى الحرب الروسية الأوكرانية، بصفتها صراعاً على خطوط التماس في دونباس أو جنوب أوكرانيا، بل بأنها حرب استنزاف إستراتيجية طويلة الأمد، أصبح فيها العمق الروسي والأوكراني ساحة العمليات الرئيسية. 
وأوضح أن الجانبين يعتمدان بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة بعيدة المدى والصواريخ الدقيقة لاستهداف منشآت الطاقة، والصناعة العسكرية، ومراكز القيادة، وشبكات النقل والإمداد، في محاولة لفرض ضغوط اقتصادية ونفسية على الخصم، مع تقليل كلفة العمليات البرية واسعة النطاق. 
وأضاف المصدر أن التقديرات الغربية تشير إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تحولاً واضحاً في أولويات الطرفين، إذ لم يعد تحقيق السيطرة على مساحات جديدة يمثل الهدف الرئيسي، بل أصبح استنزاف القدرة الاقتصادية والعسكرية للطرف المقابل وإضعاف قدرته على مواصلة الحرب، وهو ما يفسر الزيادة غير المسبوقة في الهجمات التي تطال العمق الاستراتيجي لكل من روسيا وأوكرانيا.
وتشهد الحرب الروسية الأوكرانية تحولاً غير مسبوق في طبيعة المواجهة، بعدما انتقلت من حرب الجبهات التقليدية إلى حرب استنزاف تستهدف العمق الإستراتيجي للطرفين، عبر هجمات متبادلة بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى والصواريخ الدقيقة، في تطور يعكس تغيراً واضحاً في العقيدة العسكرية لكل من موسكو وكييف، مع تصاعد الرهان على ضرب البنية التحتية والقدرات الاقتصادية بدلاً من تحقيق مكاسب ميدانية واسعة.

تدمير 37 ألف طائرة مسيّرة أوكرانية
 خلال 6 أشهر
وفي السياق، يقول المحلل العسكري الأوكراني، ميكولا فيسنكو، إن الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة شهدت تحولاً نوعياً خلال عام 2026، إذ تراجع التركيز على استهداف الخطوط الخلفية القريبة لصالح تنفيذ ضربات بعيدة المدى اخترقت العمق الروسي لمسافات تصل إلى مئات، بل وآلاف الكيلومترات. 
ويوضح لـ»إرم نيوز» أن موسكو أعلنت إسقاط أو تدمير أكثر من 37.7 ألف طائرة مسيّرة أوكرانية خلال النصف الأول من العام الجاري، وهو رقم يتجاوز إجمالي ما أعلنت روسيا اعتراضه خلال الأعوام الثلاثة السابقة مجتمعة، والذي قُدِّر بنحو 32.8 ألف مسيّرة، بما يعكس اتساع نطاق الحرب الجوية وتحولها إلى أحد أبرز ميادين الصراع.
ويضيف فيسنكو أن العاصمة الروسية ومحيطها تحولا إلى ساحة شبه دائمة لاعتراض المسيّرات، بعدما كانت الهجمات على موسكو محدودة خلال عامي 2023 و2024. 
ويشير إلى أن ليلتي 16 و18 يونيو 2026 شهدتا واحدة من أكبر موجات الهجمات الجوية، حيث أطلقت أوكرانيا عشرات المسيّرات في توقيت متزامن، الأمر الذي دفع السلطات الروسية إلى تعليق حركة الطيران مؤقتاً في مطارات شيريميتيفو، وفنوكوفو، ودوموديدوفو، بالتزامن مع تسجيل أضرار في منشآت حيوية، من بينها مصفاة موسكو للبترول في منطقة كابوتنيا.
ويرى المحلل العسكري الأوكراني أن الإستراتيجية الجديدة لكييف تركز بصورة متزايدة على استهداف قطاع الطاقة الروسي، بعدما أثبتت الضربات بعيدة المدى قدرتها على الوصول إلى منشآت التكرير والتخزين وخطوط الإمداد.
ويؤكد أن هذا النمط من العمليات يهدف إلى رفع الكلفة الاقتصادية للحرب داخل روسيا، وإرباك منظومة الإمداد المرتبطة بالمجهود العسكري، بدلاً من الاقتصار على استهداف الأهداف العسكرية التقليدية.
وتشير تقديرات استخباراتية واقتصادية غربية إلى أن الهجمات الأوكرانية أسهمت في تعطيل أكثر من 40% من قدرات تكرير البنزين الروسية العاملة خلال فترات متقطعة، الأمر الذي انعكس في أزمات وقود محلية، وطوابير انتظار في بعض محطات التعبئة، فضلاً عن ضغوط إضافية على الاقتصاد الروسي الذي يواصل توجيه جانب كبير من موارده لدعم العمليات العسكرية.

إستراتيجية التدمير
 البارد الروسية
في المقابل، يؤكد المحلل العسكري الروسي، فاسيلي كاشين، أن موسكو ردت على هذا التحول بتصعيد غير مسبوق في وتيرة الضربات الجوية والصاروخية، معتمدة على مزيج من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية والطائرات المسيّرة الانتحارية. 
ويوضح لـ»إرم نيوز» أن القوات الروسية نفذت خلال الأشهر الماضية أكبر موجات القصف منذ اندلاع الحرب، كان أبرزها الهجوم واسع النطاق في منتصف مايو 2026، والذي استخدمت فيه نحو 1,567 طائرة مسيّرة و56 صاروخاً في عملية واحدة استهدفت كييف وعدداً من المدن، بينها خاركيف وأوديسا. 
ويضيف كاشين أن القيادة العسكرية الروسية تتبنى ما يصفه بـ»التدمير البارد»، من خلال استهداف محطات توليد الكهرباء، ومحطات التحويل، ومستودعات الغاز الطبيعي، وشبكات النقل، بهدف تقليص قدرة أوكرانيا على تشغيل بنيتها التحتية المدنية والعسكرية، وإضعاف قدرتها على مواصلة العمليات القتالية، خصوصاً خلال فترات الذروة الموسمية التي يرتفع فيها استهلاك الطاقة.

نقل كلفة الحرب
 إلى الداخل
ويرى مراقبون عسكريون أن الطرفين دخلا مرحلة جديدة تقوم على نقل كلفة الحرب إلى الداخل، حيث تسعى كييف إلى إقناع المواطن الروسي بأن الحرب لم تعد بعيدة عن حياته اليومية، بينما تراهن موسكو علـى إنهـــــــاك المجتمـــــع الأوكراني عبر استهداف الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما يقلص قدرة الدولة على الصمود اقتصادياً وعسكرياً.
ويشير محللون إلى أن المواجهة الحالية لم تعد تُحسم بالسيطرة على مدن أو قرى جديدة، بل أصبحت رهناً بقدرة كل طرف على الحفاظ على اقتصاده، وتأمين موارده الصناعية، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والإنتاج العسكري، في ظل سباق متواصل في تكنولوجيا المسيّرات والحرب الإلكترونية والصواريخ بعيدة المدى.
وفي ضوء هذا التحول، تبدو الحرب الروسية الأوكرانية مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، تتراجع فيها أهمية خطوط التماس التقليدية لصالح معركة استنزاف مفتوحة تستهدف البنية الاقتصادية والقدرات الإستراتيجية للطرفين، بينما يتضاءل أفق التسوية السياسية، مع استمرار كل من موسكو وكييف في الرهان على تحقيق مكاسب عبر الضغط العسكري طويل الأمد.