الإمارات.. ريادة إنسانية عابرة للحدود وترجمة مستدامة لإرث زايد في العطاء
أزمة متفاقمة في الدفاعات الجوية الأوكرانية
استنزاف صواريخ «باتريوت».. ثغرة دفاعية تُغري موسكو بتكثيف الضربات الباليستية
كشف مصدر أوكراني مطلع على ملف التسليح والذخائر أن النقص الحاد في صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومات «باتريوت» بات يمثل واحدًا من أخطر الثغرات في منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية، محذرًا من أن استمرار الأزمة قد يمنح روسيا مساحة أوسع لتكثيف هجماتها الباليستية على المدن والبنية التحتية والمنشآت الحيوية خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح المصدر بحسب»إرم نيوز» ، أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتراجع المخزون المتاح حاليًا، وإنما بوجود فجوة متزايدة بين معدل استهلاك صواريخ الاعتراض الأوكرانية وبين قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على إنتاجها وتعويضها، في وقت تواصل فيه موسكو رفع معدلات إنتاج الصواريخ الباليستية والفرط صوتية.
وأشار المصدر إلى أن استمرار هذا الوضع قد يفرض على القيادة الأوكرانية إعادة ترتيب أولويات الدفاع الجوي، بحيث يجري تخصيص صواريخ «باتريوت» للأهداف الأكثر حساسية، بينما تترك مناطق أخرى أمام تهديدات صاروخية أكبر، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على قدرة كييف على حماية بنيتها التحتية واستدامة المجهود الحربي.
وأضاف أن روسيا تدرك على الأرجح طبيعة هذه الفجوة، وقد تسعى إلى استغلالها عبر تكثيف الهجمات المركبة التي تجمع بين الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، بهدف استنزاف ما تبقى من مخزونات الاعتراض وإجبار أوكرانيا على توزيع منظوماتها المحدودة على مساحة جغرافية واسعة.
أزمة متفاقمة
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع ما كشفته صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية عن أزمة متفاقمة في الدفاعات الجوية الأوكرانية، مشيرة، نقلًا عن مسؤولين أوكرانيين، إلى أن طواقم الدفاع الجوي في كييف باتت عاجزة عن التصدي لعدد من الصواريخ الباليستية الروسية بسبب نفاد صواريخ الاعتراض المخصصة لمنظومات «باتريوت».
وبحسب الصحيفة، فإن الاحتياطي المحدود من صواريخ الاعتراض التي زودت بها واشنطن كييف استُنزف خلال الفترة الأخيرة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين حجم الهجمات الروسية وقدرة الدفاعات الأوكرانية على التصدي لها. وأطلقت روسيا في الخامس من أغسطس 24 صاروخًا باليستيًا وأربعة صواريخ مضادة للسفن، إلى جانب 115 طائرة مسيرة، تمكنت الدفاعات الأوكرانية من إسقاط 98 منها، بينما اخترقت الصواريخ الباليستية المجال الدفاعي ووصلت إلى أهدافها.
وبعد ثلاثة أيام فقط، شنت روسيا هجومًا جديدًا بستة صواريخ باليستية، أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، من دون أن تتمكن أوكرانيا من اعتراض أي منها.
ووصلت الأزمة إلى حد دفع القوات الجوية الأوكرانية إلى التوقف عن الإعلان بصورة منتظمة عن أعداد الصواريخ الروسية التي يتم إطلاقها خلال الهجمات، في خطوة قالت مصادر للصحيفة إنها ترتبط بدواعٍ أمنية، لكنها تهدف أيضًا إلى تجنب كشف حجم الفجوة في قدرات الاعتراض أمام الرأي العام.
«باتريوت».. الثغرة الأخطر
في السياق، يكشف الدكتور إيفان أوس، مستشار السياسة الخارجية بالمعهد الوطني الأوكراني في كييف، لـ»إرم نيوز» أن نقص صواريخ «باتريوت» الاعتراضية يمثل واحدة من أخطر الثغرات الحالية في منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية، خصوصًا مع اعتماد كييف على هذه المنظومات لحماية العاصمة والمنشآت الحكومية والبنية التحتية الحيوية من الصواريخ الباليستية الروسية.
وأوضح أوس أن «باتريوت» يمثل إحدى المنظومات القليلة الموجودة في الترسانة الأوكرانية القادرة على التعامل مع الصواريخ الباليستية المتطورة، ومنها صواريخ «إسكندر-إمط وبعض الصواريخ التي تستخدمها روسيا في هجماتها بعيدة المدى.
وأضاف أن خلو منصات الإطلاق من الذخيرة لا يعني مجرد تراجع مؤقت في مستوى الحماية، وإنما يخلق فجوة عملياتية تسمح للصواريخ الروسية بالوصول إلى أهداف كانت معرضة بدرجة أقل للخطر في السابق.
وأشار إلى أن الأزمة الحالية نتجت عن مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها محدودية الطاقة الإنتاجية العالمية لصواريخ الاعتراض، وارتفاع الطلب عليها من دول أخرى، إضافة إلى التعقيدات السياسية التي رافقت حزم المساعدات العسكرية الغربية وعدم انتظام وصولها إلى أوكرانيا.
روسيا ترفع
إنتاجها الصاروخي
في المقابل، تواصل موسكو رفع قدرتها على إنتاج الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، إذ كشف فاديم سكيبيتسكي، نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، أن روسيا أطلقت خلال يوليو الماضي رقمًا قياسيًا بلغ 198 صاروخًا باليستيًا وفرط صوتي، فيما تجاوزت قدرتها الإنتاجية 65 صاروخًا شهريًا، مقابل متوسط سابق كان يقدر بنحو 60 صاروخًا.
ويعني ذلك أن الفجوة بين قدرة روسيا على إنتاج الذخائر الهجومية وقدرة أوكرانيا وحلفائها على إنتاج صواريخ الاعتراض قد تصبح أكثر اتساعًا خلال الأشهر المقبلة.
ويرى أوس أن هذه المعادلة توفر لموسكو فرصة استراتيجية لتكثيف حملتها الجوية، خصوصًا إذا تأكد لها أن مخزونات الدفاع الجوي الأوكرانية باتت محدودة.
وأوضح أن روسيا أظهرت خلال الحرب قدرة متزايدة على تنفيذ هجمات مركبة تهدف إلى استنزاف الدفاعات الأوكرانية، عبر الجمع بين الطائرات المسيرة والصواريخ بمختلف أنواعها لإجبار منظومات الاعتراض على استهلاك أكبر قدر ممكن من الذخائر.
وأضاف أن استمرار هذا النمط قد يدفع موسكو إلى توسيع نطاق الهجمات على منشآت الطاقة والإنتاج العسكري والمراكز الحضرية، خصوصًا مع اقتراب الشتاء، حيث تصبح شبكات الكهرباء والغاز والمياه أهدافًا ذات أهمية استراتيجية وإنسانية كبيرة.
الغرب أمام اختبار المخزونات
ولا تواجه أوكرانيا أزمة صواريخ الاعتراض بمعزل عن التطورات العسكرية الأخرى، إذ أدى استنزاف جزء من المخزونات الأمريكية والغربية خلال المواجهات في الشرق الأوسط إلى زيادة الضغوط على الدول التي تمتلك هذه الأنظمة.
وتشير المعطيات إلى أن عددًا من الدول الأوروبية بات أكثر تحفظًا في إرسال مخزوناته الدفاعية إلى أوكرانيا، خشية أن تجد نفسها في مواجهة أزمة مماثلة إذا اندلع تصعيد إقليمي جديد.
ويقول أوس إن هذا العامل يجعل مسألة تعويض المخزونات الأوكرانية أكثر تعقيدًا، موضحًا أن الأمر لا يتعلق فقط بقرار سياسي بإرسال صواريخ إضافية، وإنما بقدرة الصناعة الدفاعية الغربية على إنتاجها بالسرعة المطلوبة.
كييف تبحث عن بدائل
وفي محاولة لسد جزء من الفجوة، تقترب بولندا من اتخاذ قرار بإرسال دفعة من صواريخ «باتريوت» إلى أوكرانيا، وفق ما أعلنته نائبة وزير الدفاع البولندي ماجدالينا سوبكوياك-تشارنيتسكا.
لكن حتى في حال وصول هذه الدفعة، فإن حجم الاحتياجات الأوكرانية يظل أكبر بكثير من قدرة أي دولة منفردة على تعويضها، خصوصًا في ظل ارتفاع معدل استهلاك الصواريخ الاعتراضية خلال الهجمات الروسية المكثفة.
ويكشف المصدر الأوكراني لـ»إرم نيوز» أن استمرار النقص قد يؤدي إلى تغيير ملموس في زخم المعارك، ليس فقط بسبب تعرض المدن والمنشآت الحيوية للهجمات، وإنما بسبب تأثيره المباشر على قدرة الجيش الأوكراني على مواصلة الحرب من المناطق الخلفية.
وأوضح أن الدفاع الجوي أصبح جزءًا من معركة الاستنزاف الصناعية، مؤكدًا أن الجهة القادرة على إنتاج الذخائر وتأمين سلاسل الإمداد لفترة أطول ستمتلك أفضلية متزايدة في الحرب.
وأضاف أن حماية المنشآت الخلفية ليست مسألة مدنية فقط، إذ تعتمد عليها القوات الأوكرانية في تخزين الذخائر وصيانة المعدات وإدارة شبكات النقل والإمداد، وبالتالي فإن اختراق هذه المناطق بصورة متكررة يمكن أن يؤثر في قدرة الوحدات الموجودة على الجبهة على الاستمرار.
وأشار إلى أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع أوكرانيا إلى إعادة توزيع منظومات الدفاع الجوي بصورة أكثر انتقائية، بحيث تركز صواريخ «باتريوت» على العاصمة والمنشآت الأكثر أهمية، بينما تعتمد المناطق الأخرى بصورة أكبر على أنظمة أقل قدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية.
ترامب لا يقدم
تعهدات جديدة
وعلى الجانب الأمريكي، تشير تقارير نقلًا عن مصادر مطلعة على محادثات البيت الأبيض إلى أن لقاء زيلينسكي بالرئيس دونالد ترامب في أواخر يوليو لم يسفر عن التزام واضح بإمدادات جديدة من صواريخ «باتريوت».
كما أشارت التقارير إلى تراجع احتمالات تنفيذ اتفاق كان قد نوقش على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، ويتعلق بمنح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج صواريخ «باتريوت» محليًا في أوروبا.
ويمثل ذلك تطورًا مهمًا بالنسبة إلى كييف، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بعدد الصواريخ الموجودة في المخازن، وإنما بغياب ضمان طويل الأمد لتوفير الذخائر اللازمة للحفاظ على قدرة الدفاع الجوي.
ماذا بعد؟
ومع استمرار روسيا في رفع إنتاجها الصاروخي، مقابل محدودية إنتاج صواريخ الاعتراض الغربية، تواجه أوكرانيا معادلة عسكرية أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة.
فإذا نجحت كييف في الحصول سريعًا على دفعات جديدة من صواريخ «باتريوت» وتوسيع شبكة دفاعها الجوي، يمكن احتواء جزء كبير من الخطر وإبقاء المنشآت الحيوية تحت مظلة حماية مقبولة.
أما إذا استمر نقص الذخائر، فإن موسكو قد تجد نفسها أمام فرصة لتوسيع الهجمات الباليستية واستنزاف البنية التحتية الأوكرانية بصورة أكبر، خصوصًا مع اقتراب الشتاء.
وفي هذه الحالة، لن تكون أزمة «باتريوت» مجرد مشكلة تسليح محدودة، بل قد تتحول إلى عامل مؤثر في قدرة أوكرانيا على حماية اقتصاد الحرب، والحفاظ على خطوط الإمداد، وتثبيت دفاعاتها، وبالتالي التأثير في ميزان القوة على الجبهة نفسها.
وتبقى المعادلـــــة الحاسمة في الأشهر المقبلة مرتبطة بقدرة الغرب على تحويل الدعــــــم الســــياسي إلى إنتاج وتسليم فعلي ومستدام لصواريخ الاعتراض، قبل أن تســـتغل روســـــيا الفجوة المتزايدة بين حجم هجماتها وقدرة الدفاعات الأوكرانية على مواجهتها.