الزلزال يوحد الأطراف السياسية في فنزويلا ومفاوضات مباشرة في أغسطس

الزلزال يوحد الأطراف السياسية في فنزويلا ومفاوضات مباشرة في أغسطس

أعلنت حكومة ديلسي رودريغيز والمعارضة الفنزويلية ممثلة في «الجمعية الوطنية لعام 2015»، عن إطلاق جولة مفاوضات سياسية جديدة بداية من أول أغسطس- آب المقبل. وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان صدر ليلة الخميس-الجمعة، عن اتفاق بين القوتين السياسيتين المركزيتين في فنزويلا، ما يدفع بملف الانتقال السياسي وإعادة الاستقرار الدستوري والاقتصادي إلى واجهة الأحداث.
ووصف بيان الخارجية الأمريكية الاتفاق بأنه «خطوة جوهرية إلى الأمام في مسار المصالحة الوطنية»، مشيداً بالالتزام المشترك الرامي إلى تعزيز المؤسسات الديمقراطية، وإصلاح المنظومة الانتخابية، واستعادة التعددية السياسية الفاعلة.

خطوة مدفوعة بضغوط إنسانية  
وتعتبر مصادر إعلامية فنزويلية مطلعة أن الخطوة السياسية جاءت مدفوعة بضغوط إنسانية بالغة التعقيد إذ تسببت سلسلة الزلازل التي ضربت فنزويلا في 24 يونيو-حزيران الماضي في سقوط آلاف الضحايا وتشريد عشرات الآلاف.
وكشفت المصادر النقاب عن الاهتراء الشديد للمرافق والبنية التحتية والخدمات العامة نتيجة عقود من الصراع السياسي والعزلة الدولية.
وتشير صحيفة «إل ناسيونال» الفنزويلية إلى أن الكارثة الطبيعية فرضت واقعاً لا يمكن تجاوزه، حيث بات وجود جبهة موحدة وقيادة مسؤولة قادرة على إدارة المساعدات وإعادة الإعمار أمراً حيوياً ومقدماً على أي صراع أيديولوجي، وهو ما شدد عليه بيان الخارجية الأمريكية بالإشارة إلى أن تداعيات الزلازل أثبتت «ضرورة التلاحم والقيادة المؤسسية الفعالة».
وتعدّ هذه المستجدات في غاية الأهمية والدلالة السياسية، حيث يعتبر الحوار سحباً لبساط تمثيل المعارضة الفنزويلية من تحت أقدام السياسية الشهيرة ماريا كورينا ماتشادو الحائزة على جائزة «نوبل للسلام»، والتي كثيراً ما تقدم نفسها كزعيمة للمعارضة ورئيسة مستقبلية للبلاد. 
وأشار البيان الأمريكي إلى رؤية واشنطن بشأن مرحلة الانتقال السياسي الفنزويلي، حيث تتمسك دائماً بالهياكل القائمة وبالشرعية القانونية لبرلمان 2015، وتعتبرها القاطرة الأساسية للتحول الفنزويلي من مرحلة الاستبداد والأحادية إلى مرحلة الديمقراطية والتشاركية الحقيقية.  
وتُعدّ المباركة الأمريكية تطابقاً من واشنطن مع موقف حكومة ديلسي رودريغيز بشأن المعارضة الراديكالية ممثلة في ماريا ماتشادو، حيث تلاحقها اتهامات بالخيانة والتآمر مع الخارج ضدّ السّلطة الرسمية.

تهميش أمريكي مؤقت لماتشادو 
ويعكس دفع دينورا فيغيرا رئيسة «الجمعية الوطنية 2015» السابقة، إلى صدارة المشهد التفاوضي، رغبة أمريكية واضحة في تهميش مؤقت لخطاب ماتشادو المتشدد، تجنباً لعرقلة التفاهمات، سيما وأنها تعتبر ديلسي رودريغيز جزءا أصيلاً من حكومة نيكولاس مادورو، وترى في إسقاطها وملاحقتها شرطاً أساسياً من شروط الانتقال الديمقراطي الفنزويلي.   
ويرى الخبراء في الشأن الأمريكي اللاتيني أن هذا الإعلان يتوج تحركاً بدأ سراً في يونيو-حزيران الماضي برعاية واشنطن، عندما التقت دينورا فيغيرا مع رئيس «الجمعية الوطنية 2015» الحالية، خورخي رودريغيز.  وتمثل هذه الصيغة انتصاراً للتيار البراغماتي في الإدارة الأمريكية، الذي يفضل الاعتماد على المؤسسات القائمة والشرعية القانونية لبرلمان 2015 كقناة تواصل آمنة للاتفاق على الملفات السياسية والنفطية، على التيار الراديكالي الذي ينتصر لفكرة تقويض الدولة من العمق واستبدال المؤسسات والشروع في مرحلة عدالة انتقالية تقصي كافة رموز نظام نيكولاس مادورو. 

الاستجابة لضغوط محلية وأمريكية 
ويأتي تعجيل الأطراف السياسية الفنزويلية بالاتفاق السياسيّ لإعادة ترتيب وتأثيث المشهد السياسي الفنزويلي، استجابة لثلاثة ضغوطات سرّعت من عمليّة إنضاجه.  الضغط الأول يتمثل في الفراغ الدّستوري الصّامت، إذ انتهت في 3 يوليو-تموز الماضي مهلة الـ 180 يوماً القانونية المخصصة لـ «الغياب المؤقّت» للرئيس»بعد اعتقال نيكولاس مادورو مطلع العام»، وهي الفترة التّي تفرض دستورياً الدعوة لانتخابات رئاسية جديدة. والتفافاً على ذلك، وصفت المحكمة العليا الوضع بـ «الغياب القسري»، وهو ما ترفضه المعارضة. أما الضغط الثاني، فيتجسد في التدفقات النفطية الفنزويلية، إذ تحرص الإدارة الأمريكية على ضمان استقرار سياسي نسبي في كاراكاس لتأمين تدفق الاستثمارات وتأمين الإمدادات النفطية، بالتوازي مع التخفيف التدريجي للعقوبات الاقتصادية. أمّا الثالث، فيكمن في مواجهة إدارة ترامب لجلسات استماع حاسمة في الكونغرس مخصصة لتقييم حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية لفنزويلا، مما جعل تحريك عجلة التفاوض ورقة رابحة للإدارة لشرعنة نهجها الإقليمي الجديد.
في المحصلة لا يخفي الخبراء والمتابعون للشأن اللاتيني تخوفهم من مستقبل الاتفاق المبرم، فرغم أن المحادثات تستهدف رسمياً تهيئة الأجواء لعملية انتقالية سلمية، إلا أن أجندات الأطراف المتفاوضة متباينة جدّا. فبينما يصرّ وفد المعارضة على ضرورة وضع جدول زمني انتخابي وحل معضلة الفراغ الرئاسي بعد تجاوز السقوف الدستورية لغياب نيكولاس مادورو، يسعى ممثلو السلطة في كاراكاس إلى حصر الحوار في إطار «الوحدة الوطنية لمواجهة آثار الزلازل» وحشد المساعدات الدولية لرفع العبء الاقتصادي عن كاهل الإدارة الحاكمة.
ورغم هذا الاختلاف، إلا أن الفاعلين السياسيين في فنزويلا أنفسهم أمام فرصة نادرة لإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية في الأوّل من أغسطس-آب؛ فإما أن يؤسس هذا التقارب لمسار ديمقراطي حقيقي يُعيد إدماج كاراكاس في المنظومة الدولية، أو يظل مجرد هدنة تكتيكية مؤقتة فرضتها الكارثة الطبيعية والمصالح الاقتصادية لواشنطن.