الكونغو في قلب معادلة جديدة.. الموارد مقابل الأمن والنفوذ الأمريكي

الكونغو في قلب معادلة جديدة.. الموارد مقابل الأمن والنفوذ الأمريكي

يُطرح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، فيليكس تشيسكيدي، بوصفه أحد أبرز المستفيدين من التحولات الجيوسياسية المرتبطة بتعاظم الطلب الأمريكي على المعادن الحيوية، في ظل سعي إدارة الرئيس دونالد ترامب لتأمين موارد إستراتيجية من أفريقيا في إطار المنافسة مع الصين. وتُعد ثروة الكونغو من المعادن الحيوية، وفي مقدمتها الكوبالت والكولتان، محورية للولايات المتحدة وصناعات الطاقة الجديدة؛ ما أدى إلى توثيق العلاقات مع زعيم يسعى بدوره إلى تشديد قبضته السياسية داخل البلاد، بحسب صحيفة «التايمز».
وبحسب التقرير، فإن «صفقة المعادن مقابل الأمن» التي أبرمتها واشنطن، والتي تهدف إلى إنهاء الصراع في شرق الكونغو وتقليص النفوذ الصيني في سلاسل توريد المواد الخام، منحت تشيسكيدي هامشًا سياسيًّا أكبر، ودفعت باتجاه تعزيز موقفه الداخلي، بما في ذلك تلميحاته المتزايدة حول إمكانية البقاء في السلطة لولاية ثالثة رغم أن الدستور يسمح بولايتين فقط. ويشير التقرير إلى أن تشيسكيدي بدأ يطرح علنًا فكرة التمديد السياسي قائلًا إنه «سيقبل ولاية ثالثة إذا طالب بها الشعب الكونغولي»، في وقت يستند فيه إلى مبررات مرتبطة باستمرار الحرب في الشرق، وهو الموقف ذاته الذي استخدمه سابقه جوزيف كابيلا عام 2016 لتبرير عدم التخلي عن السلطة بسبب الفوضى الأمنية. لكن هذه المرة، يبدو أن رد الفعل الدولي أكثر تحفظًا، في ظل اعتماد واشنطن المتزايد على معادن الكونغو، وهو ما يصفه محللون بأنه جعل الإدارة الأمريكية أقل اهتمامًا بدعم الحكم الديمقراطي، بحسب ميشيل غافين من مجلس العلاقات الخارجية. ويبرز في السياق أيضًا أن الدعم الأمريكي لتشيسكيدي لم يكن سياسيًّا فقط، بل اتخذ أبعادًا عملية، من خلال فرض عقوبات على خصومه السياسيين، بينهم جوزيف كابيلا، في خطوة وُصفت بأنها «مكافأة مزدوجة» عززت موقع الرئيس الحالي وأضعفت معارضيه، وفق كاميرون هدسون، الخبير في شؤون وسط أفريقيا. وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد أهمية الموارد الكونغولية في الصناعات العالمية، خاصة السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، بينما لا تزال الشركات الصينية تهيمن على جزء كبير من قطاع التعدين في البلاد؛ ما يدفع واشنطن إلى تعزيز شراكتها مع كينشاسا في محاولة لتقليص هذا النفوذ. وفي المقابل، يواجه هذا التداخل بين الأمن والموارد انتقادات متزايدة داخل الكونغو، حيث يرى البعض أن البلاد باتت جزءًا من صفقات تتجاوز الاعتبارات السياسية الداخلية، وتربط بين الدعم الأمني والمصالح الاقتصادية الأمريكية. ويشير التقرير إلى أن بعض الشركات الأمريكية، ومن بينها جهات مرتبطة بالمقاول العسكري إريك برينس، باتت منخرطة في تأمين مواقع التعدين ودعم العمليات الأمنية، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة والمساهمة في استعادة مواقع إستراتيجية من المتمردين في شرق البلاد، في إطار ترتيبات مرتبطة باتفاق «المعادن مقابل الأمن». ورغم إعلان واشنطن عن خطوات للضغط على الأطراف الإقليمية، بما في ذلك رواندا، لتقليص نشاط حركة إم 23 المتمردة، فإن النزاع في شرق الكونغو لا يزال مستمرًّا، مع استمرار سيطرة الحركة على مدن رئيسية لفترات طويلة قبل بدء انسحابات جزئية تحت ضغط أمريكي. وفي هذا السياق، أعلن ترامب إنهاء الحرب في الكونغو، ضمن سلسلة من النزاعات التي قال إنه نجح في احتوائها منذ عودته إلى البيت الأبيض، في حين تبقى الوقائع الميدانية أكثر تعقيدًا.
وفي المقابل، يصف معارضون هذه الترتيبات بأنها تحمل طابعًا استغلاليًّا، إذ قال الحائز «نوبل» دينيس موكويغي: إن الصفقات القائمة على «تعزيز السلطة الفردية بدلًا من الصالح العام» تهدد بإعادة أفريقيا إلى «عصر الاستعمار»، مشيرًا إلى أن «الشحنات تغادر بالفعل، لكن لا يحصل السكان على الأمن الذي يحتاجونه».
وبينما تتدفق المعادن الكونغولية نحو الأسواق العالمية، تبقى معادلة السلطة في كينشاسا مرتبطة بشكل متزايد بتوازن دقيق بين الدعم الأمريكي، والصراع الداخلي، والتنافس الدولي على موارد تُعد من الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي الحديث.