المعركة الوشيكة.. إرث 1979 يطارد خطط الدفاع عن تايوان في مواجهة الصين
رغم تصاعد النقاش في واشنطن حول مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان وزيادة الإنفاق الدفاعي للجزيرة، يحذر خبراء عسكريون من أن التحدي الأكبر الذي قد يواجه أي محاولة للدفاع عن تايوان لا يتعلق بحجم الترسانة أو قيمة الصفقات العسكرية، بل بغياب القدرة التشغيلية المشتركة بين الجيشين الأمريكي والتايواني. وفي الوقت الذي تعهد فيه رئيس تايوان لاي تشينغ تي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وتواصل الولايات المتحدة دعمها العسكري للجزيرة رغم بعض التأخيرات والاعتبارات السياسية، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل تستطيع القوات الأمريكية والتايوانية العمل معًا بفاعلية إذا اندلع صراع مع الصين؟
تعود جذور المشكلة إلى عام 1979 عندما قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية والعسكرية الرسمية مع تايوان ضمن عملية تطبيع العلاقات مع الصين، وفق مجلة «فورين بوليسي». وأدى ذلك إلى إنهاء عقود من التعاون العسكري المباشر، بما في ذلك المناورات المشتركة والتخطيط العملياتي الموحد والتنسيق بين القيادات العسكرية.
ومنذ ذلك الحين، استمرت العلاقة الأمنية بين واشنطن وتايبيه عبر مبيعات الأسلحة والتواصل غير الرسمي، لكنها افتقدت إلى التطور المؤسسي الذي شهدته تحالفات الولايات المتحدة مع دول، مثل: اليابان، وكوريا الجنوبية.
فعلى مدار العقود الأربعة الماضية، بنت واشنطن مع حلفائها الآسيويين شبكات متطورة من أنظمة القيادة والسيطرة، وبرامج التدريب المشترك، وآليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى أجيال من الضباط الذين خدموا وتدربوا معًا. أما تايوان، فبقيت خارج هذا المسار، ما خلق فجوة عميقة في التوافق العملياتي لا تُقاس بالسنوات بل بأجيال كاملة من الخبرات المؤسسية المفقودة. ويحذر خبراء من أن هذه الفجوة قد تظهر بوضوح في أي مواجهة مستقبلية، حيث ستواجه القوات الأمريكية والتايوانية صعوبات في تبادل المعلومات، وتنسيق القرارات، وإدارة العمليات المشتركة في الوقت الحقيقي؛ ما قد يؤدي إلى تأخير الاستجابة وإرباك العمليات العسكرية في لحظات حاسمة.
يرى مختصون أن بناء التوافق التشغيلي يبدأ من التكنولوجيا، لكنه لا ينتهي عندها. فالهدف يتمثل في ربط أنظمة القيادة والسيطرة لدى الجانبين بحيث يتمكن القادة الأمريكيون والتايوانيون من الاطلاع على صورة عملياتية موحدة لساحة المعركة واتخاذ القرارات بناءً على المعلومات نفسها وفي الوقت ذاته.
كما يتطلب الأمر دمج شبكات الاستشعار والرصد؛ ما يسمح بانتقال بيانات الرادارات وأنظمة الدفاع الساحلي التايوانية مباشرة إلى المنصات الأمريكية، والعكس صحيح، دون الحاجة إلى إجراءات ترجمة أو معالجة قد تؤدي إلى فقدان الوقت أو الدقة.
ويشمل ذلك أيضًا قدرة أنظمة الدفاع الجوي التايوانية والسفن الحربية الأمريكية على العمل ضمن شبكة واحدة لتبادل المعلومات وتنسيق الاشتباكات بشكل فوري، وهو ما يعتبر عنصرًا حاسمًا في أي مواجهة محتملة عبر مضيق تايوان. لكن الخبراء يؤكدون أن التكامل التقني دون تدريب عملي مشترك يظل محدود الفاعلية. فالقوات تحتاج إلى تدريبات منتظمة لاختبار العقائد العسكرية المختلفة، وآليات اتخاذ القرار، وأساليب القيادة والسيطرة تحت ظروف تحاكي القتال الحقيقي.
إلى جانب التكنولوجيا والتدريب، يبرز التخطيط العسكري المشترك باعتباره أحد أهم عناصر الجاهزية؛ فالمخططون العسكريون الأمريكيون والتايوانيون بحاجة إلى تطوير تصورات موحدة حول سيناريوهات الصراع المحتملة، وفهم مشترك للتضاريس والتهديدات ونقاط الحسم قبل وقوع أي أزمة. ويمتلك الجيش التايواني معرفة تفصيلية بالبيئة العملياتية المحلية لا يمكن تعويضها عبر الدراسات أو الخرائط، في حين تتمتع القوات الأمريكية بخبرة واسعة في إدارة العمليات المشتركة المعقدة. ويُنظر إلى الجمع بين هاتين الميزتين باعتباره أساسًا لأي خطة دفاعية فعالة.
كما يؤكد الخبراء أن العلاقات الشخصية بين الضباط والقادة العسكريين تمثل عنصرًا لا يقل أهمية عن المعدات العسكرية. فبرامج التعليم والتدريب العسكري المشترك، مثل برنامج التدريب والتعليم العسكري الدولي «IMET»، تساعد على بناء شبكات من الثقة والتفاهم بين الضباط الأمريكيين والتايوانيين، وهو ما يسهل التنسيق في أوقات الأزمات.
ويرى مراقبون أن تعزيز هذه الروابط البشرية والتشغيلية قد يكون أكثر تأثيرًا على فاعلية الدفاع المشترك من بعض صفقات السلاح نفسها.
وفي النهاية، يعتقد العديد من الخبراء أن الردع الحقيقي للصين لا يعتمد فقط على امتلاك تايوان للأسلحة الحديثة، بل على قدرة هذه الأسلحة على العمل ضمن منظومة أمريكية ـ تايوانية متكاملة.
فكلما ازدادت قابلية التشغيل البيني بين الجانبين، ارتفعت كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة ضد الجزيرة، وتعززت فرص الحفاظ على الاستقرار في مضيق تايوان.
ويبقى السؤال المطروح في واشنطن اليوم: هل تمتلك الولايات المتحدة الإرادة السياسية لسد فجوة التوافق العملياتي مع تايوان قبل أن تتحول هذه الفجوة نفسها إلى نقطة ضعف قد تستغلها بكين في أي أزمة مستقبلية؟