الملف النووي يعود إلى نقطة الصفر.. ما دلالات خطوة أوروبا؟

الملف النووي يعود إلى نقطة الصفر.. ما دلالات خطوة أوروبا؟


حسمت أوروبا موقفها تجاه إيران عبر إعلانها تفعيل آلية «سناب باك»، لإعادة فرض العقوبات الدولية التي رفعت بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. خطوة أوروبية تحمل دلالات عميقة؛ إذ تعني إعادة الملف النووي إلى نقطة الصفر، وتهدد بتقويض سنوات من المحادثات الدبلوماسية. مصادر أوروبية نقل عنها موقع أكسيوس الأميركي أوضحت أن وزراء خارجية فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أبلغوا نظيرهم الأميركي ماركو روبيو بقرارهم.
مع ذلك، شددوا على أن هذه الخطوة لا تعني نهاية الدبلوماسية، بل ستبقى قنوات التواصل مفتوحة مع طهران حتى بعد تفعيل العقوبات.

آلية «سناب باك».. 
العودة التلقائية للعقوبات
الآلية، التي صيغت ضمن اتفاق 2015، تسمح لأي طرف مشارك في الاتفاق بإعادة فرض العقوبات إذا ثبت أن إيران أخلّت بالتزاماتها. ولا تحتاج هذه الخطوة إلى تصويت جديد في مجلس الأمن، كما لا يمكن تعطيلها بالفيتو. وبمجرد تفعيلها، تدخل العقوبات حيز التنفيذ بعد 30 يوماً.

ومن أبرز العقوبات
 التي ستعود:
حظر بيع وشراء الأسلحة التقليدية لإيران.
منع تطوير أو شراء الصواريخ الباليستية ومعداتها.
فرض قيود صارمة على الأنشطة النووية الإيرانية.
إدراج أشخاص وكيانات مرتبطة بالحرس الثوري على القوائم السوداء.
عزل البنوك الإيرانية عن النظام المالي العالمي.
تشـــديـــــــد العقوبــــــات علــــــى شـــــركات الطيـــــــران والشـــحن الإيرانيــــة.
مراقبة السفن الإيرانية لمنع تهريب النفط والبضائع.
صور الأقمار الاصطناعية والجدل بشأن الشفافية
على المستوى الميداني، نشر معهد العلوم والأمن الدولي صوراً التقطتها الأقمار الاصطناعية أظهرت عمليات تنظيف وإزالة سريعة لمبانٍ متضررة في موقع نووي شمال طهران تعرض لضربات إسرائيلية، في خطوة وُصفت بأنها قد تهدف إلى محو أدلة مرتبطة بأنشطة حساسة.
في المقابل، أعلن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي وصول مفتشيه إلى موقع «بوشهر» النووي، بعد إعلان طهران عن تعاون جزئي مع الوكالة.

رؤية إيران.. تشكيك 
واتهام بازدواجية المعايير
الدبلوماسي الإيراني السابق عباس خامه يار، في حديث للظهيرة على سكاي نيوز عربية، اعتبر أن هناك تساؤلات كبيرة داخل إيران بشأن مشروعية الخطوة الأوروبية.
وسأل: «إذا كانت أوروبا تعتبر نفسها شريكاً في الاتفاق، فلماذا التزمت الصمت على انسحاب الولايات المتحدة منه؟ ولماذا لم تعترض على الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية؟».
وأضاف خامه يار أن طهران ترى في القرار الأوروبي خطوة «غير أخلاقية وغير قانونية»، ملوحا بخيارات قد تشمل تقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإعادة النظر في التزامات إيران في معاهدة حظر الأسلحة النووية، بل وحتى اتخاذ إجراءات تمس حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وذهب أبعد من ذلك بالقول إن تفعيل «سناب باك» سيكون بمثابة «انتحار أوروبي» بالنسبة لمستقبل علاقاته مع إيران.

ضغوط على إيران
 ومكاسب محدودة لطهران
من جهته، رأى أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة باريس رامي خليفة العلي أن الترويكا الأوروبية تتحرك ضمن الإطار القانوني، إذ إن انسحاب واشنطن من الاتفاق لا يلغي التزامات الدول الأخرى.
وأشار إلى أن إيران رفعت نسب تخصيب اليورانيوم بشكل كبير، وهو ما يعد خرقاً صريحاً للاتفاق.
وبحسب العلي، فإن أوروبا ليست مرتبطة اقتصادياً بإيران بشكل يجعلها تخشى خسائر فادحة، خصوصاً أن النفط الإيراني لا يُصدَّر أساساً إلى أوروبا بل إلى أسواق بديلة مثل الصين، وغالباً بأسعار أقل من الأسعار العالمية.
لكنه شدد على أن القلق الأوروبي يرتبط بالجانب الأمني، في ظل تهديدات إيرانية بتطوير صواريخ بعيدة المدى قادرة على بلوغ برلين وباريس.

ما وراء النووي:
 الصواريخ والميليشيات
يرى محللون أن جوهر الخلاف لا يقتصر على الملف النووي، بل يمتد إلى البرنامج الصاروخي الباليستي وسياسات إيران الإقليمية. 
الأوروبيون يطالبون بأن تشمل المفاوضات هذه الملفات، فيما ترفض طهران ذلك رفضاً قاطعاً.
العلي لفت إلى أن إيران لا تزال «على العتبة النووية»، لامتلاكها اليورانيوم المخصب، الصواريخ الباليستية، والمعرفة التقنية اللازمة، إضافة إلى دعمها لميليشيات إقليمية كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، بما يهدد التجارة الدولية عبر باب المندب ويضع المصالح الأوروبية في مرمى الخطر.

سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ضوء هذا التصعيد، تبدو طهران أمام معادلة صعبة: إما المضي في التصعيد عبر خطوات أحادية تزيد من عزلتها، أو إبقاء الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية رغم العقوبات المتجددة.
 إيران تقول إنها دافعت عن الاتفاق لعامين بعد انسحاب واشنطن، بينما تؤكد أوروبا أن الخروقات الإيرانية المتكررة لا تترك مجالاً سوى لتفعيل «سناب باك». 
وبين الموقفين، تترنح احتمالات العودة إلى طاولة مفاوضات جادة. القرار الأوروبي بإعادة فرض العقوبات لا يغلق الباب نهائياً أمام الحوار، لكنه يعيد عقارب الساعة إلى لحظة الصفر، حيث يختلط القانون بالسياسة، والدبلوماسية بالتصعيد.
 وفي ظل استمرار الضغوط الخارجية وتحديات الداخل، يبقى السؤال: هل تملك إيران استراتيجية للموازنة بين الدفاع عن أمنها القومي وتجنب مزيد من العزلة الدولية؟