اليابان تكسر أحد أكبر محظوراتها الأمنية.. الاتجاه نحو جهاز استخبارات جديد

اليابان تكسر أحد أكبر محظوراتها الأمنية.. الاتجاه نحو جهاز استخبارات جديد

على الرغم من البيئة الأمنية «الخطرة» التي تحاصر طوكيو، عبر مثلث الصين وروسيا وكوريا الشمالية، إلا أنها تستغل ذلك للتحرر بخطى سريعة من القيود التي فرضت عليها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على المستوى التسليحي والعسكري وذلك بإعلانها تدشين أول جهاز استخبارات مركزي، منذ هزيمتها العام 1945.
ووجدت طوكيو ضرورة في امتلاك جهاز استخبارات مركزي أكثر كفاءة مع تغيير البيئة الأمنية المحيطة، في ظل عدة اعتبارات وتنامي التعاون العسكري بين روسيا والصين في شمال المحيط الهادي، إلى جانب تصاعد وتيرة التجارب النووية لكوريا الشمالية، فضلًا عن تصاعد التهديدات السيبرانية، ومحاولات التجسس على التكنولوجيا اليابانية.
ويأتي سعي طوكيو إلى تطوير منظومة تكون أكثر كفاءة ومركزية في عالم الاستخبارات، بعد أن تبنت منذ العام 2022، إستراتيجية أمن قومي جديدة، ورفعت ميزانيتها الدفاعية، وعززت قدراتها على تنفيذ الضربات المضادة.   
ويحل هذا الجهاز الذي بدأ عمله مؤخراً، بدلاً من هياكل سابقة تعرضت لانتقادات بسبب تشتتها وعدم فاعليتها، ويمهد الطريق، لإصلاحات أوسع قد تشمل سن قانون لمكافحة التجسس، ويستهدف أن يكون شبيهاً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» أو جهاز الاستخبارات البريطاني «MI6».
وتقول الخبيرة في الشؤون الآسيوية، الدكتورة تمارا برو، إن إنشاء اليابان جهاز استخبارات مركزيا لا يعني تخلّيها عن توجهها السلمي ولكنه يعكس تحولاً تدريجياً في تفسير هذا النهج بما يتناسب مع البنية الأمنية الجديدة في محيطها. 

توحيد العمل الاستخباراتي
وأضافت برو لـ»إرم نيوز»، أن طوكيو اتجهت، مؤخراً، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وزيادة الانفاق العسكري، وتنسيق التعاون الأمني مع واشنطن والشركاء الإقليميين، مثل: كوريا الجنوبية والفلبين، ويأتي توحيد العمل الاستخباراتي بهذا الشكل، استكمالاً لهذا المسار. وترى طوكيو أن التهديدات لم تعد تقتصر على العمل العسكري التقليدي بل أصبحت تشمل التجسس، والهجمات السيبرانية، مما يتطلب بنية استخباراتية أكثر كفاءة، على حد وصف برو، في وقت تفرض البيئة الأمنية في شرق آسيا ذلك خاصة في ظل التوتر مع الصين، والتجارب الصاروخية لكوريا الشمالية، وتطوير برنامجها النووي، وتقاربها مع موسكو وبكين.
وتؤكد برو أن المنافسة التكنولوجية والتجسس الاقتصادي على الصناعات المتقدمة اليابانية، مثل أشباه الموصلات، جعلت الحاجة لجهاز استخباراتي أكثر تنسيقاً وتطوراً ضرورة إستراتيجية وليس مجرد خيار سياسي في الوقت الذي تحدثت فيه تقارير إعلامية عن الإيقاع بشبكة تجسس روسية داخل اليابان متخصصة في تهريب التكنولوجيا الحساسة إلى موسكو. كما كشف عن نقل رقائق من شركة إنفيديا الأمريكية من تايوان عبر اليابان وربما هذه الحوادث دعت اليابان لتسريع تدشين جهاز استخبارات مركزي إلى جانب الأوضاع الأمنية المعقَّدة.

ضرورة توفير
 الإنذار المبكر
وتفرض هذه التحديات أمام اليابان، ضرورة امتلاك جهاز استخبارات أكثر كفاءة وأن ذلك لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لتوفير الإنذار المبكر، وحماية الأمن الاقتصادي، ودعم عملية اتخاذ القرارين السياسي والعسكري.
وبدأت المبادئ اليابانية التي تقوم على رفض الحرب كوسيلة لحل النزاعات، في إعادة تفسير مفهوم الدفاع عن النفس، ليتلائم مع بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، لاسيما مع الحرب الأمريكية الإيرانية.
ومن طوكيو، يرى الخبير في العلاقات الدولية، طلعت سلامة، أن هذا التدشين يمثل جزءًا من إعادة صياغة شاملة لدور اليابان في النظام الدولي، حيث بدأت تتحول تدريجيًا من قوة اقتصادية تعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية إلى كيان يمتلك أدوات أمنية واستخباراتية ودفاعية أكثر استقلالية، مع استمرار التزامها بتحالفاتها الدولية، وفي المقدمة الولايات المتحدة.
وبين سلامة في حديثه لـ»إرم نيوز»، أن حال استمرار البيئة الأمنية في شرق آسيا على هذا المستوى من التوتر، من المرجح أن تتسارع هذه التحولات خلال السنوات المقبلة، مع بقاء الطابع الديمقراطي والقيود الدستورية عنصرًا أساسيًا في رسم حدود هذا التحول.
واعتبر أن هذه الخطوات تشير إلى انتقال اليابان من السلمية السلبية إلى مفهوم السلمية الرادعة، أي الحفاظ على النهج السلمي مع امتلاك أدوات ردع واستخبارات أكثر فاعلية، في وقت أصبحت فيه البيئة الأمنية في شرق آسيا، المحرك الرئيس لهذا التحول.
وتواجه اليابان صعودًا عسكريًا متسارعًا للصين، وفق سلامة، خاصة في بحر الصين الشرقي وحول تايوان، إلى جانب استمرار تنامي البرامج النووية لكوريا الشمالية، بما يشكل ضغطًا متزايدًا على دول المنطقة.
واستكمل بالقول إن منظومة الاستخبارات اليابانية الجديدة، لن تترك بلا ضوابط داخلية، بل ستخضع لضوابط تشمل الرقابة البرلمانية على أداء الأجهزة الأمنية، والإشراف القضائي على الإجراءات التي تمس الحقوق والحريات، ووجود قوانين واضحة تحدد اختصاصاتها إلى جانب حماية البيانات الشخصية وخصوصية المواطنين، ومحاسبة المسؤولين في حال إساءة استخدام السلطة. وخلُص سلامة أن نجاح التجربة اليابانية لن يُقاس فقط بقدرتها على جمع المعلومات ومواجهة عمليات التجسس، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على القيم الديمقراطية التي تميز النظام السياسي الياباني، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وصون الحقوق والحريات.