بدءاً من بلغاريا.. هل تعلّق أوروبا الشرقية تعاونها العسكري مع واشنطن؟
في يوم واحد، سقطت مسيّرة روسية على مبنى سكني في رومانيا، وأعلنت بلغاريا أنها ستُخرج الطائرات الحربية الأمريكية من مطار صوفيا بنهاية يونيو حزيران الجاري.
حادثتان في يوم واحد تقولان الكثير عن حجم التوترات التي تعيشها أوروبا الشرقية.
رئيس الوزراء البلغاري رومين راديف كان صريحاً في مؤتمر صحفي بالقول: «لا أستطيع الموافقة على إطالة إقامة الطائرات والناقلات «الأمريكية» في مطار صوفيا في ظل الظروف الحالية». ولم ترفع واشنطن اشتراط التأشيرة عن المواطنين البلغاريين الراغبين في زيارة الولايات المتحدة، لترد بلغاريا بمبدأ «لا مقابل، لا تعاون»، ما شكل سابقة لافتة في العلاقة بين حلفاء الناتو.
6 طائرات تزويد
أمريكية وسؤال برلماني
تروي صحيفة «لاليبر» البلجيكية القصة من بدايتها، ففي التاسع عشر والعشرين من فبراير- شباط 2026، هبطت في مطار صوفيا المدني طائرات عسكرية أمريكية من أنواع «كي سي-135 ستراتوتانكر» لإعادة التزود بالوقود جواً، و»سي-130 هيركوليز» للنقل، و»سي-17 غلوبماستر» للشحن الثقيل.
أدى ذلك إلى تعليق مؤقت لبعض الرحلات المدنية وأثار جدلاً برلمانياً واسعاً حول غياب الاستشارة البرلمانية المسبقة.
وقالت الحكومة المؤقتة، آنذاك، إنها وافقت بناءً على «طلب رسمي من السفارة الأمريكية» وإن الطائرات جاءت «لأنشطة تدريبية».
لكن موقع «روغارد إيست» الفرنسي المتخصص في شرق أوروبا رصد السؤال الذي لم تُجَب عنه: جاءت الطائرات بعد أيام قليلة من بدء الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير- شباط. وفي أبريل نيسان، وصلت بلغاريا مذكرة دبلوماسية من إيران تحتج، رسمياً، على وجود هذه الطائرات في أراضيها.
التأشيرة..
ورقة ضغط مباشرة
تنقل مجلة «ذا هيل» الأمريكية تصريح راديف بوضوح: «طالبت بإلغاء التأشيرة للمواطنين البلغاريين في محادثتي مع الرئيس ترامب، لكنني لم أتلقَّ رداً إيجابياً. وبينما أفهم تعقيد الإجراءات التنظيمية، فإن لدينا أيضاً أولوياتنا». بلغاريا هي من آخر دول الاتحاد الأوروبي التي لا يزال مواطنوها يخضعون لاشتراط التأشيرة الأمريكية السياحية، وهي نقطة توتر متراكمة منذ سنوات. الجدول الزمني واضح، فالمهلة الأصلية كانت نهاية مايو- أيار الماضي، ثم مُدّدت حتى نهاية يونيو حزيران «لإعطاء الحلفاء وقتاً لإعادة الجدولة وإيجاد موقع بديل»، وفق ما نقلته «لاليبر».
3 أسباب أم سبب واحد؟
يطرح موقع «نوفيني» البلغاري الناطق بالإنجليزية السؤال الأكثر أهمية: هل هذا القرار مرتبط حقاً بالتأشيرات فقط، أم أن هناك ما هو أعمق؟
وأشار إلى عاملين متشابكين، أولاً التأشيرات هي المطلب المُعلَن والمُعلَّل الوحيد رسمياً، ثانياً حزب رادف «بلغاريا التقدمية» فاز في انتخابات أبريل على برنامج يُركّز على الأولويات الوطنية، وهذا القرار يُرسّخ صورته أمام ناخبيه. كما أن الحكومة البلغارية في موقف دقيق، في بلد لا يريد أن يُعتبر طرفاً في حرب لم يُشارك في قرارها.
نمط جديد
في أوروبا الشرقية
الأخطر في هذا القرار ليس بلغاريا وحدها، فموقع «بالكان إنسايت» لاحظ أن هذه الخطوة تمثل «سابقة في ربط التعاون العسكري مع الناتو بمكاسب سياسية مباشرة». في السياق ذاته، سحبت واشنطن آلاف الجنود من ألمانيا رداً على تصريحات المستشار فريدريش ميرتس بخصوص حرب إيران، وهدّدت بخفض حضورها في دول رفضت دعمها ضد طهران، أي أن واشنطن تُعلّق تعاونها أحياناً بمواقف سياسية، وها هي دولة حليفة تفعل الشيء ذاته في الاتجاه المعاكس. قرار بلغاريا الأخير يطرح سؤالاً يتجاوز التأشيرات بكثير: هل نشهد بداية مرحلة جديدة تتحوّل فيها الدول الأوروبية من قبول الحضور الأمريكي بوصفه منحة أمنية مجانية، إلى التعامل معه كورقة تفاوضية قابلة للاستثمار؟ إذا كان الجواب نعم، فهذا يعني أن النفوذ الأمريكي في أوروبا الشرقية بدأ يواجه تآكلاً هادئاً لم تُفرزه أيديولوجيا ولا عداء، بل مصالح وطنية تبحث عن صفقة.