موسكو تراقب تدويل الردع الفرنسي

برلين داخل الحسابات النووية الفرنسية.. أوروبا تختبر ردعها بعيدًا عن مظلة واشنطن

برلين داخل الحسابات النووية الفرنسية.. أوروبا تختبر ردعها بعيدًا عن مظلة واشنطن


دفع ظهور مقاتلات «رافال» التابعة للقوات الجوية الاستراتيجية الفرنسية في قاعدة نورفينيش الألمانية التعاون الدفاعي بين باريس وبرلين إلى مستوى غير مسبوق، بعدما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار فريدريش ميرتس مشاركة قوات ألمانية تقليدية قبل نهاية العام في تدريب فرنسي يرتبط بمهام الردع النووي، لتنتقل المناقشات الأوروبية حول الحماية النووية الفرنسية إلى اختبار شكلها العسكري وإمكان وصلها بمنظومات الإنذار والدفاع الجوي والضربات بعيدة المدى. ومثّل الانتشار الفرنسي في نورفينيش أول إجراء عملياتي ضمن الاتفاق الجديد، إذ نفذت طائرات «رافال» القادرة على حمل السلاح النووي تدريبًا للتزود بالوقود جواً إلى جانب مقاتلات «يوروفايتر» ألمانية، فيما نص إعلان مجلس الدفاع والأمن المشترك على ربط القدرات التقليدية والدفاع الصاروخي والضربات الدقيقة بالردع النووي ضمن مشاورات سرية تشرف عليها مجموعة توجيه يرأسها ماكرون وميرتس.
 ألمانيا تساند 
الردع الفرنسي
في حين أفادت مصادر دبلوماسية ألمانية مطلعة بأن برلين وافقت على إشراك ضباط من وزارة الدفاع ودبلوماسيين من الخارجية في المشاورات الاستراتيجية مع الجانب الفرنسي، وأن العمل الجاري يشمل آلية مشتركة لتبادل تقديرات التهديد والإنذار المبكر وتحديد الأدوار التي تستطيع القوات الألمانية تنفيذها خلال الأزمات، مع بقاء حيازة السلاح وإجراءات تشغيله وقرار استخدامه تحت السيطرة الفرنسية.
وأوضحت المصادر لـ»إرم نيوز» أن المشاركة الألمانية ستتركز على حماية القواعد والمرافقة الجوية والتزود بالوقود والدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة وتأمين الاتصالات، إلى جانب إشراك ضباط ألمان في مراحل محددة من التخطيط والتمارين لاختبار قدرة القوات التقليدية على إسناد المهمة الاستراتيجية الفرنسية داخل سيناريو دفاع أوروبي واسع، في تحول يفتح قناة عملياتية منتظمة بين الجيش الألماني وقوة الردع الفرنسية خارج آليات التخطيط النووي الأطلسية.
بينما تحافظ باريس على الحدود السيادية للمشروع، فقد أكد ماكرون أن فرنسا ستواصل تمويل برنامجها النووي بالكامل، بينما شدد ميرتس على أن التعاون الجديد يكمّل ترتيبات المشاركة النووية داخل «الناتو»، وقال إن المسار قد يقود مستقبلًا إلى عقيدة جديدة، وهي صيغة تكشف رغبة ألمانية في فتح قناة ردع أوروبية مع إبقاء الأسلحة الأمريكية المنتشرة على أراضيها ضمن الضمانة الأساسية للأمن الألماني.
مظلة موسعة بقرار مركزي
وقال الخبير العسكري الفرنسي والملحق الدفاعي السابق في ألمانيا فيليب شالميل إن باريس لا تبحث منح ألمانيا دورًا في قرار الاستخدام أو الاطلاع على منظومات المصادقة النووية، وإن العمل الجاري يخص توسيع البيئة العسكرية المحيطة بالقوة الفرنسية عبر إعداد دول أوروبية تستطيع دعم تحرك الطائرات الاستراتيجية وحماية منشآتها وتزويد القيادة الفرنسية بمعلومات الإنذار والمراقبة خلال التصعيد.
وأضاف شالميل لـ»إرم نيوز» أن هيئة الأركان الفرنسية تدرس تمارين متدرجة مع الشركاء تبدأ بإجراءات القيادة والاتصالات وحماية الانتشار الجوي، ثم تنتقل إلى محاكاة مهمة استراتيجية وسط هجمات صاروخية وإلكترونية، وأن اختيار ألمانيا للمشاركة الأولى يمنح المشروع ثقلًا سياسيًا وعسكريًا يصعب تحقيقه عبر اتفاقات محدودة مع دول أصغر. ويمنح هذا التصميم فرنسا شبكة إسناد أوروبية أوسع من دون توزيع ملكية الرؤوس النووية أو سلطة إطلاقها، كما يمنح ألمانيا موقعًا داخل بنية الردع من خلال القوات التقليدية والمعلومات والدفاع الصاروخي، وهو ما يفسر ربط الإعلان المشترك إدارة التصعيد تحت العتبة النووية بضربات دقيقة بعيدة المدى تستهدف مواقع القيادة ومنصات الصواريخ. ولا تشكل الخطوة مظلة أوروبية مستقلة مكتملة، لأن صدقية الردع الممتد تحتاج ضمانًا واضحًا بأن فرنسا ستتعامل مع الهجوم على دولة شريكة كمساس بمصالحها الحيوية، كما تحتاج قوة نووية قادرة على تغطية جغرافيا أوروبية واسعة والمحافظة على قدرة الرد بعد الضربة الأولى، فيما تترك العقيدة الفرنسية تعريف هذه المصالح للرئيس وتحتفظ بقرار الاستخدام داخل قصر الإليزيه.

موسكو تراقب تدويل الردع الفرنسي
من جانبها تتابع موسكو هذا التقارب باعتباره توسيعًا للبعد الأوروبي في القدرات النووية الغربية، بعدما وصفت الخارجية الروسية خطة ماكرون لتوسيع الترسانة وإشراك الحلفاء في تدريبات الردع بأنها خطوة مزعزعة للاستقرار، وطالبت بإدخال الترسانتين الفرنسية والبريطانية في أي ترتيبات مقبلة للحد من الأسلحة الاستراتيجية عقب انتهاء معاهدة «نيو ستارت». بدوره، اعتبر المحلل الروسي يفغيني سيدروف أن التقارب الفرنسي–الألماني يغيّر توزيع المسؤولية الاستراتيجية داخل أوروبا أكثر مما يغيّر ميزان القوى النووي، لأن برلين تسعى إلى حجز موقع داخل صياغة القرار الأمني الأوروبي، فيما تستخدم باريس ترسانتها لإعادة تثبيت موقعها كالدولة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي والقادرة على طرح ترسانتها أساسًا لترتيبات ردع قارية. ورجح سيدروف خلال حديثه لـ»إرم نيوز» أن موسكو ستتعامل مع المسار كاتجاه تدريجي نحو تدويل الردع الفرنسي، لأن إدخال ألمانيا إلى البيئة العملياتية والسياسية المحيطة بالقوة النووية يفتح الباب أمام دول أخرى، كما يمنح الاتحاد الأوروبي قدرة أكبر على تحويل قوته الاقتصادية والصناعية إلى نفوذ عسكري منظم يؤثر في التخطيط الدفاعي الأوروبي وتماسك الموقف الغربي خلال الأزمات الطويلة. ورأى أن العقبة الأساسية تكمن في الشرعية السياسية، إذ تحتاج الدول الأوروبية إلى صيغة تحدد صاحب القرار والمسؤولية وكلفة التصعيد، فيما ستبقى العواصم الشرقية أكثر تمسكًا بالضمان الأميركي ما لم تقدّم باريس التزامًا صريحًا بحمايتها، لذلك يرجح تطور التعاون إلى مظلة أوروبية مساندة للولايات المتحدة قبل تحوله إلى بديل كامل عنها.