بين ترامب وأوروبا.. ثروة الـ4 تريليونات تشعل صراع النفوذ على غرينلاند
تدخل القارة العجوز في اختبار فارق، يتعلق بحماية أمنها أمام تهديدات الحلفاء قبل الخصوم، وذلك في مهمة حماية غرينلاند التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت حماية الدنمارك والتي لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضمها للولايات المتحدة.
ويظهر هذا الاختبار مع زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الجزيرة لمدة يومين، بهدف تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لهذا الإقليم الدنماركي في الوقت الذي من المنتظر فيه توقيع المسؤولة الأوروبية إعلانا مشتركا مع الإقليم، في وقت يسعى فيه الاتحاد لتعزيز موقعه في المنطقة القطبية الشمالية.
ويراهن ترامب منذ بداية ولايته الحالية على ما تضمه غرينلاند من ثروات طبيعية هائلة قيمتها 4 تريليونات دولار، حيث تحتوي على أكبر احتياطي عالمي من المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدقيقة والتكنولوجيا المتقدمة ومواد خام من اليورانيوم والنيكل والنحاس والذهب، بالإضافة إلى احتياطيات من الغاز والنفط. وكان يتحجج ترامب في أهدافه نحو غرينلاند بالقول إنها مهمة لضمان الأمن القومي للولايات المتحدة، وأن سيطرته عليها ضرورية لمنع سيطرة الصين أو روسيا عليها، لكنه تراجع في يناير الماضي عن تهديداته بضمها، وجرى تشكيل فريق عمل أمريكي دانماركي غرينلاندي يجتمع بانتظام لمناقشة التعاون المستقبلي.
ويقول الجنرال دومينيك ترانكون، الرئيس السابق للبعثة العسكرية الفرنسية لدى الأمم المتحدة، إن زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية يعكس موقف الأوروبيين الموحد تجاه غرينلاند ضمن ما كان يهدد به الرئيس الأمريكي، بعيدا عن العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الأوروبيين بالولايات المتحدة.
وأضاف القائد السابق بالجيش الفرنسي لـ»إرم نيوز»، أن هذه الزيارة تأتي ضمن العمل الموحد الأوروبي الخاص بإجهاض ومنع أي طموح للرئيس الأمريكي لضم غرينلاند لبلاده، بعد أن هدد التحالف الوثيق بين الأوروبيين والولايات المتحدة. وبين ترانكون أن التعامل الأوروبي مع الولايات المتحدة في إجهاض مخططها نحو الجزيرة، بمثابة اختبار فعلي لمدى قدرة القارة العجوز بمفردها في حماية نفوذها وسيادتها وأمنها بعيدا عن المظلة الأمريكية الأمنية التي لم يعد لها حضور مع ولاية ترامب، لافتا إلى ضرورة أن تتوصل الدنمارك مع غرينلاند إلى اتفاق يتعلق بـ»ذاتية الاستدامة».
وأردف ترانكون بأن الأوروبيين في هذا الملف تعاملوا على أن غرينلاند اختبار لوحدتهم وتجاوزوا ذلك بنجاح.
واستبعد ترانكون أن يؤدي الدعم الأوروبي للجزيرة إلى إثارة التوتر مع واشنطن، مشيرا إلى أن هذا الحال كان من الممكن قبل بضعة أشهر أما الآن فلا يوجد أي فتيل للتوتر.
فيما أوضح أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نورث كارولينا، البروفيسور خضر زعرور، أن الصراع بين الولايات المتحدة وأوروبا حول غرينلاند هو صدام يقوده ترامب بين حلفاء ضفتي الأطلسي في ظل رغبته في أن يترك بصمة لوجوده كرئيس للولايات المتحدة بالقيام بمثل هذا العمل الذي يفقد واشنطن أهم حليف لها. وذكر زعرور لـ»إرم نيوز»، أن ترامب يعمل على استغلال الانقسام الأوروبي العميق حول حرب أوكرانيا، في وقت تعمل الدول الكبرى بالقارة العجوز في الحفاظ على الجزيرة بقدر الإمكان في وقت يعلم فيه الرئيس الجمهوري جيدا، أن تنفيذ هدفه في هذا المكان غير مسموح.
وأشار إلى أن ترامب لا يمتلك أي دعم شعبي أو مساندة الكونغرس، للقيام بمثل هذه السياسة «المتهورة» نحو الحلفاء، والتي تتسبب في إفساد علاقة الولايات المتحدة مع الأوروبيين التي هي في حاجة لها للاتحاد معا، في ظل الصعود القوي للصين وروسيا في الوقت الذي يظهر انعكاس النزيف العسكري لواشنطن سواء في أوكرانيا أو إيران. واعتبر أن أي صراع ستدخل فيه الولايات المتحدة حول غرينلاند سيجعلها الخاسر الأكبر خاصة أن الاوروبيين متوحدون في الدفاع عنها أكثر من وجود تفاهم بينهما حول الحرب في أوكرانيا والتي تشهد تقاطعات بين بلدان الاتحاد. وتوقع زعرور أن تنهي الخسارة المتوقعة للجمهوريين في انتخابات الكونغرس تماما، محاولات ترامب نحو غرينلاند التي ليست مثل فنزويلا التي لم تحصل على أي دعم للدفاع عنها، سواء دوليا أو أوروبيا بينما هناك أشكال دعم متعدد لحماية غرينلاند وحتى روسيا لن تقبل بأي عمل أمريكي نحو الجزيرة كما يريد ترامب. واستطرد بأن الولايات المتحدة في الأساس لديها مواقع عسكرية بالجزيرة وهي حليفة وصديقة لها والشعب الأمريكي يرفض بشكل كبير توجه ترامب على عكس أي قضية أخرى مثل إيران وفنزويلا ولن يقبل أن تتدخل بلاده في شؤون دولة حليفة وتعاديها. وخلص أن أي تحرك أمريكي تجاه غرينلاند سيؤثر على أدوات الولايات المتحدة المتعلقة بممارسات الشرعية الدولية في وقت سيعمل فيه الأوروبيين على دفع الدنمارك لإعطاء جانب أكبر من الاستقلالية للجزيرة، في ظل تراجع ثقة بروكسل في البيت الأبيض مع الرئيس الجمهوري الحالي.