الإمارات ومملكة إسواتيني توقعان مذكرة تفاهم للإعفاء المتبادل من متطلبات تأشيرة الدخول
رئة «الدب الروسي».. كازاخستان الورقة الرابحة لموسكو ضد العقوبات
بينما الغرب يحبس أنفاسه تحسباً وترقباً لضربة روسية قاصمة لكييف سبقت وأن لوحت بها الديبلوماسية الروسية في لقاءات مع السفراء الأجانب، كان الرئيس فلاديمير بوتين يؤدي زيارة استثنائية لـ»كازاخستان»، الدولة الجارة التي باتت تحظى بأهمية استراتيجية بالغة لدى ساكن الكرملين في العاصمة موسكو. وبدأ بوتين زيارة رفيعة المستوى بـ3 أيام إلى العاصمة أستانا، حيث التقى نظيره الكازاخي قاسم جومارت توكايف، ووقع الطرفان على حزمة من الاتفاقيات الاستراتيجية على رأسها إنشاء روسيا لقطاع متكامل للطاقة النووية السلمية في كازاخستان.
كما أسفرت القمة الثنائية -التي باتت تعرف في أدبيات الديبلوماسية بـ»قمة أستانا»-، عن حزمة من الاتفاقيات التي انسحبت على مجالات الطاقة النووية والتعاون الصناعي والنقل والتمويل والتدريب والتنسيق في الفضاء الأوراسي.
وثيقة الأسس السبعة للصداقة وحسن الجوار
كما وقع المسؤولان وثيقة سياسية مركزية حول الأسس السبعة للصداقة وحسن الجوار بين شعبي البلدين.
وتتمثل الأسس السبعة في الذاكرة التاريخية المشتركة والتكامل الأوراسي والحدود المشتركة والشراكة الاقتصادية والتنوع اللغوي والثقافي و»التعاون الشبابي والتبادل التعليمي والرياضة» والرؤية المشتركة للمستقبل.
وبعيداً عن الطابع الإنشائي للأسس السبعة للوثيقة السياسية، فإنّ أهمّ ما فيها يكمن في تجسيدها لمستوى الشراكة الاستراتيجية التي باتت تبلغها العلاقات بين موسكو واستانا، في زمن الرئيس توكاييف الذي يبدو أنه نجح في إيجاد معادلة تسمح له بالتعاطي إيجابيا مع الغرب ممثلا في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، دون أن يكون هذا التقارب على حساب الجار الروسي الذي تجمعه به أطول حدود برية في العالم.
ويعتبر الخبراء والمتخصصون للشأن الآسيوي أنّ كازاخستان باتت تحظى بمكانة استراتيجية لدى الفاعل الروسي، حيث أصبحت أحد أهم وأنجع وأنجح الحلول المتوفرة للالتفاف على سيف العقوبات الغربية المسلطة على موسكو.
الالتفاف على
العقوبات الجمركية
حيث يخضع البلدان لاتفاقية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والتي تلغي تمام الرقابة الجمركية والحدودية على حركة البضائع داخـــــــل التكتل وهو الأمر الذي يــــسمح بالسـلع الأوروبية ذات المنشـأ الأوروبي – والتي تصدّر إلى كازاخستان بشكل قانوني ورســـــمي- أن تدخل أسواق الاتّحاد الروســـي بمجرّد وُلوجها أستانا، ودون أية رسوم جمركية.
وتؤكّد الأرقام الرسمية الانتعاشة الكبيرة التي تعرفها العلاقات التجارية البينية، فقد أكدت وزارة التجارة الكازاخية في تقريرها الصادر في مايو 2026، أنّ وارداتها من روسيا قفزت في الربع الأول من نفس العام بنسبة 28.5 في المائة لتصل إلى 5 مليار دولار، الأمر الذي يعكس تزايد حركة التدفق للمواد اللوجستية والوسيطة.
وقـــــد أعلن السفير الروسي في أســــتانا أليكســـي بــــــورودافكين أنّ التبـــــادل التـجــــــاري الإجمالي مهيــــــأ لتجــــــاوز ســــقف 30 مليـــــــار دولار بنهايـــــة العــام الحالي مقارنة ب28 مليار في 2025.
كل ما سبق يؤكّد، نسق التطور المرتفع الذي تشهده العلاقات الاقتصادية الثنائية، وهو ملمح التفت إليه تقرير معهد «سي جي بي إس» الذي يتخذ من العاصمة واشنطن مقرا له، حيث أشار إلى أنّ سلاسل التوريد الروسية عبر كازاخستان تشهد طفرة هيكلية في تمرير السلع الحساسة على غرار أجهزة الإرسال والاستقبال وركائز المحركات الرقمية، وشرائح الهواتف الذكية ولوحات الحواسيب المحمولة وبطاريات السيارات الكهربائية.
ويستخلص تقرير المعهد في نتيجة لافتة، أنّه على الرغم من تراجع القيمة الجمالية للاستيراد الموازي الروسي العام إلى 21 مليار دولار نتيجة الضغوطات المشددة والعقوبات الغربية القاسية، فإنّ موسكو نجحت في خلق شبكات خاصة قادرة على نقل الأجهزة التي تحتاجها المجمعات الصناعية العسكرية الروسية عبر شركات وسيطة كازاخستانية تغير هويتها القانونية لاستمرار لتجنب القوائم السوداء.
وفي المقابل، تؤكد أستانا التزامها بالضوابط الدولية وتجنب العقوبات الثانوية، وتبدي في أكثر من مناسبة عدم انحيازها لأي طرف في الصراع القائم بين موسكو وكييف، غير أنّ للجغرافيا السياسية إكراهات وللتشبيك الاقتصادي منطقا ومنطوقا، يفرضان على أستانا انزياحا نحو موسكو وإن كان يُحسب ويقاس بميزان الذهب.
العملة الرقمية..
الكنز الروسي الثمين
حيث يكشف الخبراء المتخصصون في الشأن المالي أنّ موسكو تعتمد على شبكات تجارية تعمل على منصات تداول العملات المشفرة المسجلة في كازاخستان لضمان سيولة التدفقات المالية، ولمواجهة نظام «سويفت» ومصفوفة العقوبات المفروضة على كافة المصارف الروسية.
في هذا السياق، تشير التقديرات المالية الدولية لعام 2026 «على غرار منصة إليبتيك وبلومبرغ» إلى أنّ العملة الرقمية المستقرة «A7A5» والمرتبطة بالروبل – التي أطلقها بنك «برومسفير» الروسي المرتبط بدوره بقطاع الدفاع- أسهمت في تغذية تدفقات مالية مشفرة تجاوزت 100 مليار دولار بحلول مطلع 2026.
ومع كل ما سبق، يمتلك البلدان محفظة استثمارية ضخمة تبلغ قيمتها 52.7 مليار دولار، وتضم 177 مشروعا صناعيا مشتركا.
وتتيح هذه المشاريع لرجال الأعمال والشركات الروسية تأسيس كيانات قانونية مشتركة على الأراضي الكازاخية، مما يسمح لها بالتعاقد مع الموردين الأوروبيين واستيراد المعدات الثقيلة والثمينة والمتطورة تحت غطاء المشاريع التنموية المحلية.
وفي تعليقهم على هذا الأمر، يشير المراقبون إلى أنّ هذه النقاط تؤكد الأهمية الاستراتيجية البالغة التي باتت تحظى بها أستانا في العقل الاستراتيجي الروسي، إذ إنها أصبحت رئة اقتصادية واستثمارية ممتازة للدب الروسي المحاصر من العقوبات الغربية، وباتت أداة مثلى للتملص من نير الضغوطات الأوروبية.
في المحصلة، لا تعني هذه الحقائق أنّ بروكسيل لم تتفطن إلى منظومات الظل التي تعتمدها موسكو للالتفاف على عقوباتها وعقباتها، ولكنها تعني أمرين اثنين، أولهما عدم التوصل بعد إلى منظومة عقوبات مالية دون ثغرات، وثانيهما أنّ للجغرافيا وللتاريخ أحكاما والتزامات قد تكون أقوى بكثير من العقوبات الغربية.