رئيس الدولة ونائباه يهنئون ملك بلجيكا بذكرى اليوم الوطني لبلاده
رجل ماكرون العسكري.. من هو فابيان ماندون رئيس أركان الجيش الفرنسي؟
لم يكن الجنرال الفرنسي فابيان ماندون اسماً معروفاً لدى الرأي العام قبل أشهر قليلة، لكن جملة واحدة كانت كافية لوضعه في قلب الجدل السياسي في فرنسا. فعندما قال، في نوفمبر-تشرين الثاني 2025، إن على الفرنسيين أن يكونوا مستعدين لـ»قبول فقدان أبنائهم» إذا اقتضى ذلك الدفاع عن البلاد، اشتعلت الانتقادات من اليمين واليسار على السواء، واضطر الرئيس إيمانويل ماكرون إلى توضيح أن فرنسا لا تعتزم إرسال شبابها للقتال في أوكرانيا.
ورغم العاصفة التي أثارتها تلك التصريحات، لم يتراجع الرجل عن رسالته الأساسية: أوروبا دخلت مرحلة أمنية جديدة، وعلى فرنسا أن تستعد لاحتمال مواجهة عسكرية لم يعد يراها مستبعدة.
فمن هو الجنرال الذي اختاره ماكرون لقيادة القوات المسلحة الفرنسية في أكثر المراحل حساسية منذ نهاية الحرب الباردة؟
من طيار «ميراج»
إلى قائد الجيوش
تولى الجنرال فابيان ماندون، البالغ من العمر 56 عاماً، منصب رئيس أركان الجيوش الفرنسية في الأول من سبتمبر 2025، بعد مسيرة طويلة داخل القوات الجوية والدوائر العسكرية العليا.
بدأ حياته العسكرية طياراً مقاتلاً على طائرات ميراج F1CT قبل أن ينتقل إلى قيادة ميراج 2000D، وشارك في عمليات عسكرية في تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وأفغانستان، ثم تولى داخل قيادة حلف شمال الأطلسي المشاركة في التخطيط للحملة الجوية في ليبيا عام 2011.
وخارج ساحات القتال، أصبح ذا خبرة واسعة داخل مؤسسات الدولة؛ إذ شغل مناصب رفيعة في وزارة الدفاع، وعمل رئيساً للمكتب العسكري لوزير الجيوش السابق سيباستيان لوكورنو، قبل أن يصبح رئيس الأركان الخاص للرئيس إيمانويل ماكرون، وهو المنصب الذي جعله أحد أكثر الضباط قرباً من دوائر صنع القرار في قصر الإليزيه.
الجنرال الذي
يتحدث بصراحة
على خلاف الصورة التقليدية لرؤساء الأركان، اختار ماندون مخاطبة الرأي العام بلغة مباشرة، ففي أكتوبر 2025، حذر أمام الجمعية الوطنية من ضرورة إعداد فرنسا لاحتمال «صدمة» مع روسيا خلال ثلاث أو أربع سنوات، معتبراً أن الحرب لم تعد احتمالاً بعيداً بالنسبة لأوروبا.
ثم جاءت تصريحاته أمام مؤتمر رؤساء البلديات في نوفمبر من العام نفسه، عندما قال إن فرنسا يجب أن تمتلك «القوة المعنوية لقبول التضحية بأبنائها» إذا تعرض أمنها للخطر.
وأكد أن المجتمع الفرنسي ينبغي أن يكون مستعداً لتحمل التضحيات البشرية والاقتصادية دفاعاً عن البلاد.
أثارت العبارة عاصفة سياسية، إذ اتهمه معارضون بإثارة الذعر، بينما دافع عنه آخرون باعتباره يطلق تحذيراً مبكراً من واقع أمني متغير. واضطر ماندون لاحقاً إلى توضيح أن هدفه لم يكن الدعوة إلى الحرب، بل «التحذير والاستعداد» في ظل تدهور البيئة الأمنية الأوروبية.
رؤية مختلفة للحرب
منذ توليه قيادة الجيوش، غيّر ماندون طريقة التفكير داخل المؤسسة العسكرية الفرنسية، فبدلاً من الاكتفاء بسياسة الردع التقليدية، يتحدث عن ضرورة الاستعداد لاحتمال مواجهة فعلية. ويرى أن الاكتفاء بإظهار القوة لم يعد كافياً، بل يجب تحويل الجيش الفرنسي إلى قوة قادرة على خوض حرب عالية الكثافة إذا فُرضت عليه. ولخص رؤيته خلال محاضرة بجامعة السوربون قائلاً إن فرنسا «تصنع معدات عسكرية أشبه بالأزياء الراقية»، لكنها تحتاج إلى إنتاج عسكري واسع يشبه «الملابس الجاهزة»، في إشارة إلى ضرورة زيادة الإنتاج الصناعي العسكري وتسريع وتيرته.
ثلاث أولويات
حدد رئيس الأركان الجديد ثلاث أولويات رئيسة لعمله، تتمثل الأولى في رفع جاهزية القوات المسلحة وإعدادها لمواجهة نزاعات واسعة النطاق، والثانية في توسيع التعاون العسكري مع الحلفاء الأوروبيين. وأشار إلى أنه أجرى، منذ توليه المنصب، عشرات الزيارات إلى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، كما أسس منتدى لرؤساء أركان الجيوش الأوروبية بهدف تعزيز التنسيق وتحفيز الصناعة الدفاعية المشتركة.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل في إعادة هيكلة القيادة العسكرية الفرنسية، عبر إنشاء «هيئة أركان قتالية» أكثر مرونة، تسمح باتخاذ القرار بسرعة وتسهّل انتقال الجيش إلى وضع التعبئة إذا اندلعت أزمة كبرى.
رجل ماكرون..
ورجل الرئيس المقبل
يرى مسؤولون فرنسيون أن اختيار ماندون في صيف 2025 لم يكن مصادفة، بل جاء لضمان وجود قائد عسكري يتمتع بالخبرة والشرعية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.
وسيكون على ماندون، أياً كان الرئيس المقبل، أن يقدم تقييمه للوضع الأمني وأن ينقل إليه حقيقة جاهزية الجيش بعيداً عن الحسابات السياسية، وهو ما يصفه مقربون منه بأنه «رجل الصراحة مع الرئيس، والواقعية في تقييم قدرات الجيش».
شخصية هادئة..
ورسائل حادة
يوصف ماندون داخل المؤسسة العسكرية بأنه قائد هادئ، لبق ودبلوماسي، لكنه في الوقت نفسه صاحب قناعات واضحة ولا يتردد في التعبير عنها.
ويقول مقربون منه إنه يرى العالم يدخل مرحلة جديدة تتسم بـ»الاختلال، وعدم التوازن، وتراجع المحرمات في العلاقات الدولية»، لكنه يرفض الخطاب التهويلي، مؤكداً أن مهمته ليست التنبؤ بالحرب، بل الاستعداد لها. وخلال لقاء مع طلاب جامعة السوربون، اختصر فلسفته قائلاً: «لا أحد يريد الحرب في مجتمعاتنا... لكن هناك من قد يفرضها علينا. أنتم لن تختاروا الحرب، لكن يجب أن تكونوا مستعدين لها».
وبينما يستعد الرئيس إيمانويل ماكرون لمغادرة قصر الإليزيه في ربيع 2027، يبدو أن الجنرال فابيان ماندون يستعد لمهمة أكثر تعقيداً: قيادة الجيش الفرنسي في مرحلة يعتبرها الأخطر على أمن أوروبا منذ عقود، وسط تصاعد التوتر مع روسيا وتسارع سباق التسلح داخل القارة.