رسالة زيلينسكي إلى بوتين.. منعطف جديد في الدبلوماسية بين كييف وموسكو

رسالة زيلينسكي إلى بوتين.. منعطف جديد في الدبلوماسية بين كييف وموسكو

نشر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في خطوة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، رسالة مفتوحة، عبر الموقع الرسمي للرئاسة الأوكرانية، موجهة مباشرة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما أثار تساؤلات بشأن توقيتها ودلالاتها السياسية. وتمثل الرسالة أول خطاب مكتوب مباشر من زيلينسكي إلى بوتين منذ بدء العمليات العسكرية واسعة النطاق عام 2022، تضمنت عرضًا سياسيًا يقوم على وقف إطلاق النار الكامل طوال فترة المفاوضات، وتبادل أسرى الحرب وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، وفتح مسار تفاوضي مباشر بين كييف وموسكو بمشاركة أطراف دولية ضامنة. 

تقديرات كييف
واقترح زيلينسكي عقد لقاء شخصي مباشر مع نظيره الروسي في دولة ثالثة، مشيرًا إلى إمكانية استضافة دول مثل سويسرا أو تركيا أو عدد من الدول العربية لهذا الاجتماع.
كما تحدث الرئيس الأوكراني عن تقديرات كييف لخسائر القوات الروسية خلال شهر مايو-أيار، كما تناول العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، ومستوى الدعم الدولي المقدم لأوكرانيا، إضافة إلى ملفات تتعلق ببيلاروسيا وكوريا الشمالية والصين ودور كل منها في المشهد الحالي للحرب. 
وتزامنت هذه الرسالة مع الضربة التي استهدفت محيط مدينة سانت بطرسبرغ بالتزامن مع افتتاح منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، كما جاءت خلال زيارة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مارك روته، إلى كييف. ومن جانبه، أعلن بوتين أنه اطّلع على الرسالة بصورة مختصرة بعد أن عرضها عليه المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، مؤكداً أنه لا يرى جدوى من عقد لقاء مع زيلينسكي في المرحلة الحالية، ووصف قرار كييف نقل النقاش إلى المجال العلني بأنه خطوة خاطئة. وأكد بيسكوف أن بوتين تسلم الرسالة واطلع عليها، وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن موسكو لم تتلق أي رسالة عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، معتبرًا أن الحديث عن لقاءات مقبلة لا يزال في إطار التصريحات الإعلامية.
في المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن لقاءً مباشرًا بين الطرفين سيكون أمرًا إيجابيًا، ودعا إلى المضي في هذا المسار، كما رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالرسالة ووصفها بأنها مبادرة جيدة، مؤكدًا أهمية البحث عن آليات لإعادة إطلاق الحوار ووقف إطلاق النار.
وبين رسالة أوكرانية تدعو إلى مفاوضات مباشرة، ورفض روسي لعقد لقاء على مستوى الرئيسين، يبقى سؤال: هل تمثل الرسالة بداية محاولة جديدة لفتح قناة تفاوض سياسية بين موسكو وكييف بعد سنوات من المواجهة العسكرية؟.

مسار طويل
أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوكرانية، محمد العروقي، أن توجه زيلينسكي إلى مخاطبة بوتين بشكل علني يأتي في سياق مسار طويل من الدعوات الأوكرانية للتفاوض. وأضاف العروقي، في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أن الاستجابة الروسية لهذه الدعوات اتسمت في أغلب الأحيان بالرفض أو بإشارات توحي بصعوبة عقد لقاء مباشر بين الرئيسين، الأمر الذي عزز قناعة الجانب الأوكراني بأن موسكو لا تبدي رغبة حقيقية في الدفع نحو تسوية سياسية.
وكشف العروقي أن الرسالة العلنية التي وجهها زيلينسكي يمكن فهمها باعتبارها محاولة لزيادة الضغط السياسي والإعلامي والدولي على القيادة الروسية، وإبراز استعداد أوكرانيا للانخراط في أي مسار تفاوضي جاد.  ولفت إلى أن هذه الخطوة جاءت في مرحلة شديدة الحساسية من الحرب، في ظل استمرار الخسائر البشرية والعسكرية لدى الطرفين، مشيرًا إلى أن تقديرات وتقارير متداولة تتحدث عن خسائر روسية كبيرة على الجبهات، مقابل خسائر أوكرانية أكد أنها أقل من نظيرتها الروسية.  وشدد على أن الضربات التي تنفذها المسيّرات الأوكرانية داخل العمق الروسي تشكل عنصر ضغط إضافيًا على موسكو، وقد تدفع كييف إلى الاعتقاد بأن زيادة الكلفة العسكرية يمكن أن تشجع روسيا على إبداء مرونة أكبر تجاه التفاوض.  وقال العروقي إن احتمال اقتراب نافذة التسوية يظل قائمًا من وجهة النظر الأوكرانية والغربية، التي ترى أن تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية قد يدفع موسكو في نهاية المطاف إلى الانخراط في مفاوضات أكثر جدية تفتح الباب أمام إنهاء الحرب.

هجوم دبلوماسي مضاد
من جانبه، قال خبير العلاقات الدولية، الدكتور مهند رضوان، إن خطوة زيلينسكي بمخاطبة الكرملين علنًا لا تمثل بادرة حسن نية وإنما تندرج ضمن ما وصفه بـ»الهجوم الدبلوماسي المضاد» الهادف إلى إعادة صياغة المشهد السياسي المرتبط بالحرب. 
وأكد خبير العلاقات الدولية، في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أن الانتقال من القنوات الخلفية إلى الخطاب العلني يهدف إلى فرض سردية سياسية جديدة تخدم الموقف الأوكراني وتضع موسكو أمام اختبار مباشر أمام المجتمع الدولي. وأضاف رضوان أن زيلينسكي يدرك محدودية تأثير الرسائل غير المعلنة في تغيير الموقف الروسي، لذلك اختار مخاطبة الكرملين على الملأ بهدف نزع الرواية الروسية التي تتهم كييف برفض الحوار. 

خيارات موسكو
وأشار إلى أن هذه الخطوة تضع موسكو أمام خيارين: إما التجاوب مع المبادرة، أو تحمل تبعات رفضها دبلوماسيًا. 
وأكد رضوان، أن استمرار حالة الاستنزاف العسكري وصعوبة تحقيق حسم كامل لأي من الطرفين جعلت الدبلوماسية امتدادًا للصراع القائم، فيما تسعى كييف إلى استثمار مستوى الدعم الغربي الحالي وتحويله إلى مكاسب سياسية وتفاوضية قبل حدوث أي تغيرات محتملة في مواقف العواصم الداعمة لها.
وقال إن الرسالة تعكس محاولة أوكرانية لإدارة إيقاع المسار السياسي للحرب، مع بقاء احتمال أن تنظر إليها موسكو بوصفها مؤشرًا على ضغوط متزايدة تواجهها كييف، وهو ما قد يدفعها إلى التمسك بمواقف أكثر تشددًا خلال المرحلة المقبلة.