رغم ثورة المسيّرات.. لماذا لا تزال الدبابة ضرورية في حروب أوكرانيا؟
أعادت الحرب في أوكرانيا إشعال الجدل حول مستقبل الدبابات في ساحات القتال، بعدما أثبتت الطائرات المسيرة قدرتها على استهداف المدرعات بدقة وبتكلفة منخفضة.
ورغم تزايد المقاطع المصورة التي تُظهر تدمير الدبابات بوساطة طائرات من دون طيار، يرى خبراء عسكريون أن الحديث عن نهاية هذه المنصة القتالية سابق لأوانه، وأن الدبابة لا تزال عنصرًا أساسيًا في الحروب الحديثة، لكن ضمن مفهوم عملياتي مختلف.
وجاء تجدد النقاش بعد انتشار مقطع فيديو يُظهر طائرات مسيرة تضرب دبابة عسكرية عدة مرات، وهو ما اعتبره بعضهم دليلًا على تراجع دور الدبابات التقليدي. إلا أن التطورات الجارية في تصميمها وأنظمة حمايتها تشير إلى أنها تتجه نحو التكيف مع طبيعة المعارك الجديدة، بدلًا من الخروج من الخدمة.
بالتزامن مع هذا الجدل، زار الملك تشارلز الثالث متحف الدبابات في معسكر بوفينغتون البريطاني، حيث اطلع على أحدث نماذج دبابة «تشالنجر 3» وتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعــــاد المستخدمة في تطويرها، في رسالة تعكس استمرار الاهتمام العسكري بهذه المنصة رغم التحولات التكنولوجية.
ويشير خبراء إلى أن الدبابة مرت خلال القرن الماضي بمراحل متعددة من التشكيك في جدواها، لكنها نجحت في التكيف مع متغيرات الحروب. فبعد الحرب العالمية الأولى، تراجعت برامج تطوير الدبابات بشكل كبير قبل أن تعود لتصبح أحد أهم عناصر الحسم خلال الحرب العالمية الثانية.
كما شهدت العقيدة العسكرية تعديلات متواصلة في استخدام الدبابات، إذ استُخدمت في العراق عام 2003 كوسيلة لنقل القوات وحمايتها داخل المدن، بعدما أثبتت قدرتها على تحمل العبوات الناسفة بصورة أفضل من المركبات المدرعة الأخف.
ويرى مختصون أن الدرس المتكرر في التاريخ العسكري يتمثل في أن بقاء الدبابة لــــــم يعتمد على شكلها التقليدي، بل على قدرتهــا المستمرة على التكيف مع طبيعة التهديدات الجديدة.
الطائرات المسيرة
تفرض معادلة جديدة
أظهرت الحرب في أوكرانيا أن الطائرات المسيرة أصبحت أحد أخطر التهديدات للدبابات، بعدما نجحت في استهدافها من زوايا يصعب حمايتها، ما دفع الجيوش وشركات الصناعات الدفاعية إلى إعادة تقييم مفاهيم الحماية والقتال المدرع.
وفي المقابل، لا يزال أداء الدبابات على الجبهة الأوكرانية محل متابعة، خاصة مع استمرار روسيا في محاولات توظيف قواتها المدرعة ضمن عملياتها الهجومية، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها بفعل الطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للدروع.
ويؤكد محللون أن التحدي لم يعد يتعلق بقدرة الدبابة على الصمود أمام الضربات فقط، بل بكيفية دمجها في شبكة قتاليـــــــة متكاملة تشمل الحرب الإلكترونيـــــة وأنظمة الاستشعار والدفاع الجوي قصير المدى.
مستقبل الدبابة
يتجه التفكير العسكري حاليًا إلى إعادة تعريف دور الدبابة باعتبارها مركزًا لمنظومة قتالية مترابطة، بدلًا من كونها منصة مستقلة تعتمد على التدريع والقوة النارية فقط.
ويقوم هذا المفهوم على تزويد الدبابات بأنظمة متقدمة للحرب الإلكترونية، وقدرات للتشويش على الطائرات المســـــيرة، إلى جانب دمجهـــــا مع طائرات استطلاع بدون طيار وأنظمة دفاع جوي قصيرة المدى لحمايتهــا أثناء العمليات.
ويرى خبراء أن الدبابة المستقبلية ستكون أقرب إلى منصة قيادة متحركة داخل شبكة قتالية رقمية، قادرة على تبادل البيانات مع الوحدات الأخرى وإدارة المعركة في الوقت الفعلي، بما يتيح لها مواجهة التهديدات الجوية والإلكترونية إلى جانب تنفيذ مهامها التقليدية.
وبينما تستمر الطائرات المسيرة في تغيير قواعد الحرب، تشير اتجاهات التطوير العسكري إلى أن الدبابات لن تختفي من ساحات القتال، وإنما ستخضع لتحول جذري في دورها وقدراتها، لتظل جزءًا أساسيًا من العمليات البرية ضمن منظومات قتالية أكثر تكاملًا وذكاءً.