حمدان بن محمد يعتمد حزمة من المبادرات والمشاريع الإستراتيجية
زيلينسكي يوسع تحالفاته.. هل تعيد رومانيا رسم توازنات الدعم الأوروبي؟
تتحرك كييف منذ أشهر لإعادة بناء شبكة تحالفاتها داخل أوروبا الشرقية، مع تركيز متزايد على رومانيا بوصفها أحد أهم شركاء أوكرانيا داخل حلف "الناتو" والاتحاد الأوروبي.
وتجسد هذا التحرك الأوكراني في مجموعة اتفاقيات تعاون دفاعي واقتصادي، في مقدمتها مشروع للتصنيع المشترك للمسيرات العسكرية داخل الأراضي الرومانية بالاعتماد على الخبرات التقنية الأوكرانية خلال الساعات الماضية.
ويحصل المشروع على تمويل من صندوق الدفاع الأوروبي تحت مسمى "الأمن من أجل أوروبا"، في خطوة تعكس اهتمام الاتحاد الأوروبي بتطوير قدرات تصنيع عسكرية داخل حدوده، وفقا للمراقبين.
وتعد أوكرانيا من أبرز الدول التي طورت نماذج منخفضة التكلفة من المسيرات وصائدات المسيرات خلال الحرب، إذ لا يتجاوز سعر بعض هذه الأنظمة بضعة آلاف من الدولارات، وهو ما دفع دولًا أوروبية إلى دراسة نقل هذه الخبرات إلى برامج دفاعية مشتركة داخل الاتحاد.
ويمتد التعاون بين كييف وبوخارست إلى قطاع الطاقة أيضًا، إذ تشمل التفاهمات تعزيز الربط الكهربائي بين البلدين، إلى جانب بحث التعاون في استغلال موارد النفط والغاز في البحر الأسود.
وأكد الرئيس الروماني نيكوشور دان أن "حالة انعدام الثقة التاريخية" بين البلدين تراجعت منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا قبل أكثر من 4 سنوات.
وفي سياق التعاون الدفاعي، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الولايات المتحدة رفضت منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ "باتريوت" داخل الدول الأوروبية، رغم مقترحات قدمتها كييف لإنتاجها بالتعاون مع رومانيا وبولندا وشركاء آخرين في "الناتو".
وأشار إلى أن أوكرانيا ما زالت تنتظر موافقة واشنطن على اتفاق لإنتاج المسيرات كانت كييف قد طرحته في وقت سابق ضمن برامج التعاون الدفاعي مع شركائها الأوروبيين.
ترتيب خريطة الدعم الأوروبي
أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو نزار بوش، قال إن التحركات الدبلوماسية التي يقودها الرئيس زيلينسكي في أوروبا الشرقية، ومن بينها توسيع الشراكة مع رومانيا، تعكس محاولة واضحة لإعادة ترتيب خريطة الدعم الأوروبي في ظل الانقسامات المتزايدة داخل الاتحاد الأوروبي.
وأضاف بوش، لـ"إرم نيوز"، أن الخلافات المرتبطة بملف الطاقة الروسية أصبحت أحد أهم العوامل التي تُضعف الإجماع الأوروبي حول دعم كييف، خاصة بعد قرار أوكرانيا وقف إمدادات الغاز الروسي المتجهة إلى سلوفاكيا والمجر عبر منظومة "دروجبا"، وهو ما أدى إلى توتر حاد مع هاتين الدولتين.
وأوضح أن هذا التوتر انعكس داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث استخدمت بودابست وبراتيسلافا حق النقض "الفيتو" ضد بعض القرارات المرتبطة بدعم أوكرانيا أو تسريع مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.
وتابع: "ويفسر التقارب بين كييف وبوخارست باعتباره محاولة من زيلينسكي لتعويض هذا التراجع في الدعم من خلال بناء محور جديد داخل أوروبا الشرقية، يضم دول لا تزال تنظر إلى التمدد الروسي باعتباره تهديدا مباشرا لأمنها". ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن القيادة الأوكرانية تسعى من خلال هذه التحركات إلى إظهار أن كييف ما زالت قادرة على الحفاظ على شبكة دعم أوروبية فاعلة، حتى في ظل استمرار بعض الدول الأوروبية في الإبقاء على علاقاتها التجارية مع موسكو في مجالات الطاقة.
وقال بوش، إن الواقع العسكري على الأرض هو الذي يحدد في النهاية شكل المفاوضات وموازين القوة، مشيرًا إلى أن كييف وقعت في السابق اتفاقيات أمنية مع دول مثل فرنسا وبريطانيا وإستونيا، لكنها لم تُحدث تحول حاسم في مسار الحرب، مبينا أن توسيع التحالفات داخل أوروبا الشرقية يهدف أساسًا إلى الحفاظ على الزخم السياسي والدبلوماسي للدعم الأوروبي أكثر من كونه خطوة قادرة على تغيير المعادلة العسكرية.
تراجع الاهتمام الدولي بالحرب
من جانبه، أكد كارزان حميد، المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأوروبية، أن توسيع كييف لشراكاتها مع دول شرق أوروبا، وعلى رأسها رومانيا، يرتبط بمحاولة أوكرانية لإعادة تثبيت موقعها داخل منظومة الدعم الأوروبي في لحظة دولية معقدة تتراجع فيها الأولويات.
وكشف حميد، لـ"إرم نيوز"، أن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أثار مخاوف جدية لدى كييف من احتمال تراجع الاهتمام الدولي بالحرب مع روسيا. وأوضح حميد أن التصعيد في الشرق الأوسط وما صاحبه من ارتفاع في أسعار الطاقة وإغلاق محتمل لمضيق هرمز يدفع بعض الدول إلى إعادة التفكير في خياراتها الاقتصادية، وهو ما قد يعيد طرح الطاقة الروسية كمصدر أقل تكلفة.
وأشار المحلل السياسي إلى أن هذا الاحتمال يمثل تحديًا مباشرًا لأوكرانيا؛ لأن أي عودة تدريجية للطاقة الروسية إلى الأسواق الأوروبية قد تقلل من الحماس السياسي لمواصلة دعم كييف بالوتيرة نفسها.
وأكد حميد، أن التقارب بين كييف وبوخارست محاولة لبناء مسار دعم بديل داخل أوروبا الشرقية، يقوم على التعاون العسكري والتكنولوجي، ومن أبرز مظاهره مشروع تصنيع الطائرات المسيرة داخل رومانيا بالاعتماد على الخبرات الأوكرانية.
وأشار إلى أن هذا المشروع يحصل على تمويل من صندوق الدفاع الأوروبي تحت مسمى "الأمن من أجل أوروبا"، ما يسمح لكييف بالاستفادة من الموارد الأوروبية دون المرور بكل التعقيدات السياسية داخل الاتحاد.
وأضاف كارزان حميد، أن هذه الصيغة تمنح أوكرانيا أيضًا فرصة للالتفاف على احتمال استخدام المجر أو سلوفاكيا لحق النقض ضد حزم الدعم المالي، إذ يمكن تمرير التمويلات عبر مشاريع دفاعية مشتركة بدلاً من قرارات أوروبية موحدة.
ويرى حميد أن دول شرق أوروبا تجد في هذا التعاون فرصة لتعزيز دورها داخل الاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو"، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازن أمني في مواجهة روسيا، وهو ما يجعل الشراكة مع رومانيا جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تشكيل خريطة الدعم الأوروبي لكييف.