رئيس الدولة يتلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي حول التعاون المشترك والتطورات بالمنطقة
سلام بدون شروط.. سول على «حبل مشدود» بين نووي كيم وتحالف واشنطن
تصطدم المبادرة التي طرحها الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، حول استئناف الحوار مع كوريا الشمالية بهدف الانتقال من الهدنة القائمة منذ 1953 إلى اتفاق سلام ينهي الحرب رسميا، بالرفض الطبيعي لبيونغ يانغ، بالتخلي عن ترسانتها النووية أو تصاعد تعاونها العسكري مع روسيا، وما يرافق ذلك من حسابات تحالف سول مع واشنطن. واعتبر خبراء استراتيجيون ومختصون في الشأن الآسيوي، أن السلام الذي تعمل عليه سول، لا يبنى بتسوية واحدة، بل بتراكم إجراءات متبادلة تعيد إنتاج الثقة بين الكوريتين، في ظل واقعية تقتضي عدم جعل نزع السلاح النووي شرطاً مسبقاً للحوار من سول قبل البداية، لأن ذلك يغلق أي باب مع بيونغ يانغ، لا سيما أن الدولة الجنوبية لا تستطيع فصل الحوار مع الشمالية عن تحالفها مع واشنطن.
وعرض رئيس كوريا الجنوبية مؤخرا، في خطاب ألقاه خلال مراسم أقيمت في الذكرى الـ81 لتحرير كوريا من الاستعمار الياباني الذي امتد منذ 1910 إلى 1945، إجراء محادثات مع الجارة الشمالية التي يتزعمها كيم جونغ أون، من أجل وضع حد رسميا للحرب الكورية.
وترى الباحثة في الشؤون الآسيوية، الدكتورة تمارا برو، أن عرض سول يمثل بداية واقعية لمسار سلام ومحاولة دبلوماسية لاحتواء تصعيد التهديد النووي لبيونغ يانغ، لكن ذلك لا يعني أن اتفاق السلام بين الكوريتين بات قريبا، حيث إن الهدف الأساسي للجارة الجنوبيـة، إدارة التوتر ومنع الانزلاق لمواجهـــة عسكرية وخلق قنوات اتصال يمكن البناء عليها لاحقا. واعتبرت برو في حديثهـــــا لـ»إرم نيوز»، أن العقبات تكمن في أن بيونـغ يانغ لن تتخلى عن ترسانتها النووية حيث تعتبرها ضمانة لبقاء النظام، فضلا عن أنه من الصعب على سول، التوفيق في الحوار بين كوريا الشمالية والتحالف العسكري مع واشنطن.
وتابعت بالقول إن لي جاي ميونغ، يتبنى سياسة تقوم على الفصل بين الردع والحوار، إذ سيبقى الحفاظ على التحالف مع واشنطن بجانب استمرار فتح الباب مع بيونغ يانغ مع إدراكه صعوبــــــة ذلك، حيث قامت الجـــــــــارة الشمالية مؤخرا بإجراء تجربة بصاروخ باليستي، ردا على التدريبات العسكرية المقررة بين ســــــــول وواشنطن.
كما هددت بيونغ يانغ، أنها سترد على التدريبات بمستوى جديــــد من الردع في الوقت الذي غيرت الشراكة المتنامية بين كوريا الشمالية وروسيا حسابات الجارة الجنوبية والولايات المتحدة بشكل كبير، إذ لم تعد المشكلة مقصورة على مواجهة تقليدية بين الكوريتين.
القضايا الأكثر تعقيدا
وأشارت إلى أن كوريا الشمالية أصبحت تمتلك شريكا دوليا أكثر من السابق في إطار علاقتها المتنامية مع روسيا وبالتالي باتت في وضع تفاوضي أفضل من المباحثات التي جرت في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما أن التقارب الروسي الكوري قد يدفع واشنطن وسول إلى تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي.
واستبعدت برو صمود اتفاق سلام بين سول وبيونغ يانغ دون معالجة الملف النووي والوجود العسكري الأمريكي في شبه الجزيرة الكورية، لافتة إلى أنه ليس من الضروري حل كل هذه الملفات دفعة واحدة. لذلك يمكن البدء باتفاق سياسي ينهي حالة الحرب رسميا ثم الانتقال تدريجيا لقضايا أكثر تعقيدا مثل الحد من البرنامج النووي وإزالة العقوبات وترتيب وجود القوات الأمريكية، لأن تصدير هذه الملفات في بداية التفاوض يفسده، لا سيما أن الجارة الشمالية تصر على أن برنامجها النووي غير قابل للتفاوض. ويرفض الباحث الاستراتيجي، هشام معتضد، قراءة مبادرة سول باعتبارها مجرد محاولة لاحتواء التهديد النووي الكوري الشمالي، أو مساراً جاهزاً نحو سلام شامل؛ بقدر اعتبارها محاولة لإعادة ضبط قواعد التنافس في شبه الجزيرة من موقع سياسي أكثر واقعية. وأفاد معتضد ل»إرم نيوز»، بأن انتقال الكوريتين من هدنة عمرها أكثر من 7 عقود إلى اتفاق سلام يظل هدفاً مشروعاً، لكنه يصطدم بحقيقة استراتيجية أساسية بالنسبة إلى بيونغ يانغ، حيث لم تعد الترسانة النووية مجرد ورقة تفاوض، بل جزءاً من منظومة بقاء النظام وردع أي محاولة لتغيير موازين القوى.
خفض مخاطر التصعيد
ويؤكد أن الواقعية تقتضي عدم جعل نزع السلاح النووي شرطاً مسبقاً للحوار، لأن ذلك سيغلق الباب قبل أن يبدأ، والبديل هو مسار تدريجي يبدأ بخفض مخاطر التصعيد، وإعادة قنوات الاتصال العسكري والسياسي، وبناء ترتيبات للحد من تطوير القدرات النووية والصاروخية.
وفي المقابل، لا تستطيع سول فصل الحوار مع بيونغ يانغ عن تحالفها مع واشنطن، لما يوفره الردع الأمريكي لها من هامش المناورة اللازم للدخول في الحوار من دون أن يبدو ذلك استسلاماً للضغط الشمالي.
وخلص بصعوبة صمود أي اتفاق سلام بين الجارتين، إذا حاول تجاوز الملف النووي أو الوجود العسكري الأمريكي، في وقت ليس مطلوبا فيه إلغاء هذه الملفات، بل إعادة ترتيبها ضمن تسوية أمنية أوسع، قائمة على سلام تدريجي، وضمانات متبادلة، وضبط للتسلح، مع بقاء الردع الأمريكي، لحين نضوج بنية أمن إقليمية قادرة على استبداله.