محمد بن راشد: الإمارات مستمرة في تطوير نموذج حكومي عالمي أكثر كفاءة ومرونة واستباقية
«تريندز» يفكك أزمة الشرق الأوسط ومآلات المواجهة مع إيران في 15 حواراً مكثفاً
صراع دولي مركب يعيد هندسة الأمن العالمي وأمن الطاقة
في إطار مواكبته الفكرية والتحليلية المستمرة للتطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، اختتم "تريندز جلوبال" و"تريندز للبحوث والاستشارات"، التابعان لمجموعة تريندز، سلسلة مكثفة مؤلفة من 15 حواراً استراتيجياً متسلسلاً.
وسعت هذه السلسلة الفريدة إلى تقديم قراءة شاملة وممنهجة لأبعاد الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، واستشراف مآلات الحرب والتصعيد العسكري مع إيران، وتأثيرات ذلك في النظامين الأمني والاقتصادي العالميين.
وقد تميزت حوارات "تريندز" بتدرج استراتيجي دقيق؛ إذ انطلقت من تفكيك رؤى القوى العظمى والمواقف الدولية، مروراً بتحليل حسابات القوى الإقليمية والآسيوية المحيطة بمنطقة النزاع، وصولاً إلى استعراض الواقع الميداني ومستقبل المقاربة الأمريكية في ظل توازنات الردع الجديدة.
مسار الرؤى الدولية
استهلت السلسلة حواراتها بالتركيز على مواقف وتأثيرات التكتلات الدولية الكبرى والقوى العظمى تجاه الصراع الدائر، حيث ركز الحواران الأول والثاني على مأزق الأمن في منطقة الخليج العربي ومستقبل الملاحة البحرية في مضيق هرمز بعد الضربات المتبادلة.
وخلص النقاش إلى حتمية بروز سيناريوهات "حرب الاستنزاف الطويلة"، مع التأكيد على صعوبة إحداث تغيير حقيقي في النظام الإيراني عبر القصف الجوي فقط دون عمليات برية واسعة النطاق.
أما الحوار الثالث، الذي جاء تحت عنوان "الرؤية الأوروبية للأزمة ومخاطر الأمن السيبراني"، فقد ناقش الباحثون والمختصون تحول الصراع في الشرق الأوسط إلى تهديد وجودي لأمن الطاقة في القارة الأوروبية. كما استعرض الحوار أدوات السياسة الأوروبية للتعامل مع مخاطر الإرهاب والهجمات السيبرانية وحروب المعلومات الموجهة بالذكاء الاصطناعي والمدعومة إقليمياً.
وتوقف الحوار الرابع عند "منظور أمريكا اللاتينية والتحولات الجيوسياسية"، حيث استضاف نخبة من مفكري دول أمريكا اللاتينية، مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي وبنما، واستعرض قراءة هذه الدول لاهتزاز موازين القوة الدولية وتأثير اضطراب سلاسل التوريد العالمية في الاقتصادات الناشئة.
وخُصص الحوار الخامس لمناقشة "مآلات الحرب وفرص الحلول الدبلوماسية واستشراف المسارات المستقبلية للمنطقة"، موازناً بين احتمالات التصعيد العسكري العنيف وغير المنضبط، وفرص بلورة تسوية سياسية شاملة عبر الوساطات الدولية الفاعلة.
أما الحوار السادس فاستعرض "الموقف الصيني وعقيدة الأمن المشترك"، حيث عُقد عبر مكتب "تريندز" الافتراضي في بكين، بمشاركة كبار الأكاديميين الصينيين. وفكك الحوار شيفرة المقاربة الصينية التي تنظر إلى الأزمة من منظور فلسفي يرفض الحلول العسكرية، ويؤكد أهمية حماية منشآت الطاقة والملاحة باعتبارها خطاً أحمر للاقتصاد العالمي، مع الترويج لمفهوم بكين حول "الأمن المشترك".
أما الحوار السابع فناقش "الأمن الإقليمي والديناميكيات الدولية المتغيرة"، وشكل جسراً رابطاً بين المواقف الدولية الكبرى وبداية التموضع الإقليمي، حيث بحث تغير التحالفات التقليدية وظهور أقطاب دولية تسعى إلى إعادة تموضع نفوذها مستغلة الانشغال الأمريكي بالأزمة.
جوار التماس والشركاء
انتقلت سلسلة الحوارات الاستراتيجية في شقها الثاني إلى معالجة مواقف الدول ذات التماس الجغرافي والشركاء التجاريين الرئيسيين في آسيا، الذين يتأثر أمنهم القومي مباشرة بتداعيات الحرب.
فقد حلل الحوار الثامن "الرؤية التركية وحسابات الفاعلين من غير الدول"، مستعرضاً الحسابات الاستراتيجية المعقدة لأنقرة تجاه جبهات الصراع الممتدة في غزة ولبنان وسوريا، ومساعيها لحماية مصالحها الاقتصادية وموازنة النفوذ المتصاعد للفاعلين من غير الدول.
وتوقف الحوار التاسع عند "العقيدة الأمنية لسيئول وتحديات الطاقة"، وبحث كيف أحدثت حرب الشرق الأوسط "زلزالاً جيوسياسياً" أعاد تشكيل العقيدة الأمنية والدفاعية لكوريا الجنوبية، مدفوعة باعتمادها شبه الكلي على إمدادات الطاقة الخليجية لحماية نموها الصناعي.
وانتقل الحوار العاشر إلى "الدور الروسي وموازين القوى مع الغرب"، حيث استعرض المشاركون الحسابات الروسية الدقيقة في المنطقة، وكيفية توظيف موسكو للأزمة الراهنة ضمن صراعها الأوسع مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي الحوار الحادي عشر ناقش خبراء ومختصون "المنظور الهندي والشرق الأوسط كفضاء حيوي"، مستعرضين النظرة الاستراتيجية لنيودلهي التي ترى في المنطقة فضاءً يرتبط مباشرة بأمنها القومي وطموحاتها كقوة عالمية، لا سيما فيما يتعلق بالممرات الاقتصادية الواعدة وسلاسل التوريد عبر البحر العربي.
أما الحواران الثاني عشر والثالث عشر، اللذان تناولا "الجاهزية الاستراتيجية الإقليمية وبناء السلم"، فقد ركزا على تقييم قدرة المنظومة العربية على الصمود في مواجهة الهزات الأمنية، وبحث آليات تعزيز العمل المشترك وبناء أسس سلم مستدام يحيد أطماع القوى الإقليمية التوسعية.
الواقع الميداني والسياسة الأمريكية وأمن الممرات البحرية
مثل الحوار الاستراتيجي الرابع عشر قراءة معمقة للتحولات الراهنة تحت عنوان "قراءة في السياسة الأمريكية ومرحلة الجمود المؤلم". وقد شهد الحوار، الذي أداره مكتب "تريندز" في الولايات المتحدة، مشاركة رفيعة المستوى من خبراء "معهد الشرق الأوسط" و"مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي".
وخلص النقاش إلى أن المواجهة بين طهران وواشنطن دخلت مرحلة "الجمود المؤلم"، وبرزت ثلاثة محاور رئيسية تمثلت في أوراق الضغط الإيرانية، وإحكام الحرس الثوري قبضته على مفاصل القرار، واعتماد طهران على سلاح الوقت والتهديد المستمر لأمن الملاحة ومضيق هرمز كأوراق ردع أخيرة لانتزاع تنازلات أمريكية، إلى جانب المأزق الأمريكي المتمثل في عجز واشنطن عن صياغة معادلة ردع تقليدية حاسمة وفعالة ضد الفاعلين من غير الدول والميليشيات العابرة للحدود.
كما حظيت الدبلوماسية الوقائية والبراغماتية لدولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج بإشادة واسعة، نظراً لنجاحها في حماية الاستقرار الاقتصادي والابتعاد عن الاستقطابات الحادة المحفوفة بالمخاطر.
واختتمت السلسلة بالحوار الاستراتيجي الخامس عشر، الذي نظمه فرع "تريندز" في دبي تحت عنوان «المضائق البحرية في قلب الصراع العالمي»، حيث أكد المشاركون أن الصراعات والاضطرابات التي تشهدها المضائق والممرات البحرية حول العالم تمارس ضغوطاً متزايدة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد وخطوط التجارة الدولية، وترفع تكاليف النقل، وتعرقل الإنتاج، وتسهم في زيادة معدلات التضخم وتعميق تحديات الأمن الغذائي عالمياً.
وأشار الخبراء والأكاديميون إلى أن الوضع القانوني للمضائق المائية محدد بوضوح بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تعتبرها ممرات مائية دولية تخضع لقواعد وحقوق المرور العابر، ما يعني أنه لا يحق لأي دولة قانوناً منع الملاحة فيها أو فرض رسوم أو التدخل في حركة السفن التجارية. وأضافوا أن الأزمات الأخيرة في مضيقي هرمز وباب المندب كشفت عن فجوة متسعة بين المبادئ القانونية وقدرات إنفاذ القانون الدولي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول فاعلية الآليات الحالية في حماية حرية الملاحة خلال فترات التوتر المتصاعد.
خلاصة
أكدت الحوارات الاستراتيجية الـ15 المتسلسلة التي نظمها "تريندز جلوبال" و"تريندز للبحوث والاستشارات" عبر مكاتبهما الخارجية، أن الأزمة في الشرق الأوسط والحرب مع إيران تجاوزتا الأبعاد المحلية لتتحولا إلى صراع دولي مركب بأبعاده العسكرية والاقتصادية والسيبرانية، يعيد تشكيل أمن الطاقة والنظام الأمني العالمي. كما أظهرت هذه الحوارات أن التوترات المتصاعدة في المضائق والممرات البحرية الدولية باتت تشكل عاملاً ضاغطاً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية، بما يرفع تكاليف النقل ويزيد معدلات التضخم ويعمق تحديات الأمن الغذائي، في وقت كشفت فيه الأزمات الأخيرة في مضيقي هرمز وباب المندب عن فجوة متنامية بين قواعد القانون الدولي المنظمة لحرية الملاحة وآليات إنفاذها. وخلصت الحوارات إلى وجود حاجة ماسة لمقاربات دبلوماسية مبتكرة وآليات تعاون دولي أكثر فاعلية تتجاوز الحلول العسكرية التقليدية، بما يسهم في حماية الاستقرار الإقليمي وضمان أمن الممرات البحرية الحيوية واستدامة حركة التجارة العالمية.