عادت إلى لبنان عبر بوابة الحرب.. هل تهندس باريس مشهد «ما بعد حزب الله»؟

عادت إلى لبنان عبر بوابة الحرب.. هل تهندس باريس مشهد «ما بعد حزب الله»؟


في خضم الحرب الإيرانية المشتعلة، تحاول فرنسا أن تجد لنفسها موطئ قدم دبلوماسيًا في لبنان، البلد الذي طالما اعتبرته منطقة نفوذ تاريخية. 
الوزير اللبناني السابق وعضو المكتب السياسي في حزب الكتائب اللبنانية، آلان حكيم، يرى في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الجواب واضح: لا، ما لم تتخلَّ فرنسا عن مقاربتها البراغماتية المُخفقة، وتنطلق من مبدأ واحد لا تنازل عنه.

ماكرون يُحرّك قطعه على رقعة شطرنج مشتعلة
ويسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ اندلاع الحرب، وتوسيع إسرائيل حربها على لبنان بطريقة غير مسبوقة، إلى الحصول على وقف لإطلاق النار عبر سلسلة اتصالات دبلوماسية مكثفة، شملت مكالمات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فضلًا عن إيفاد رئيس أركان الجيش الفرنسي إلى بيروت حاملًا مقترحًا يقوم على معادلة تقليدية: وقف فوري لعمليات حزب الله مقابل وقف الضربات الإسرائيلية.
لكن هذه المبادرة رُفضت إسرائيليًا بسرعة، إذ ترى تل أبيب أنها أتاحت للدولة اللبنانية وقتًا كافيًا لنزع سلاح مليشيا حزب الله دون نتيجة، وتطالب بضمانات أصعب بكثير تشمل التزامًا علنيًا من الحزب بنبذ السلاح وعدم إعادة بناء قدراته العسكرية.
وقد ألغت فرنسا مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي كان مقررًا في مارس بسبب اندلاع الحرب، وهو مؤتمر كان مخصصًا لجمع تمويل لتعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية التي تعاني شُحًا حادًا في التمويل والتجهيز.

موقف باريس الرسمي.. نزع السلاح لكن بالتدرج
وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أعلن صراحةً أن "رؤية فرنسا للبنان هي رؤية دولة قوية وسيدة تمتلك احتكار السلاح"، مشيرًا إلى أن "الخطوة الأولى لتحقيق ذلك هي منح الجيش اللبناني الوسائل اللازمة لمواصلة عملية نزع سلاح مليشيا حزب الله".
وقد أعربت باريس عن "قلق بالغ" من التصعيد في لبنان، ودعت ميليشيا حزب الله إلى "تسليم أسلحته"، في حين طالبت إسرائيل بـ"الامتناع عن أي عملية واسعة النطاق".
المقاربة التدريجية فشلت
وبحسب الوزير اللبناني السابق، آلان حكيم، فإن عودة باريس إلى الملف اللبناني "تعكس فهمًا متأخرًا لواقع لم يعد قابلًا للاستمرار"، لافتًا إلى أن السياسة الفرنسية خلال السنوات الماضية اتسمت بـ"البراغماتية المفرطة والمجاملات الكثيرة التي لم تُترجَم إلى نتائج حقيقية على أرض الواقع".
ويُحدد حكيم الخطأ الجوهري في المقاربة الفرنسية التاريخية: "حاولت فرنسا مرارًا اعتماد مقاربة قائمة على الحوار مع جميع الأطراف بما فيها ميليشيا حزب الله، على أمل الحفاظ على الاستقرار. لكن التجربة أثبتت أن هذه المقاربة لم تُعزّز سيادة الدولة اللبنانية، بل أسهمت عمليًا في تكريس واقع السلاح خارج إطار الدولة".
ويضرب الوزير السابق مثالًا صارخًا على فشل التدرج: "القصف العشوائي على إسرائيل من جنوب الليطاني ومن شماله يُثبت أن نزع السلاح التدريجي لم يُعطِ أي نتيجة. جُرّب هذا الخيار وفشل".

حل جذري لا تسويات مؤقتة
ويُحدد حكيم شرطًا قاطعًا لأي مبادرة دولية ناجحة: "لا يمكن بناء دولة فعلية ما دام قرار الحرب والسلم ليس بيد الدولة".
ويرفض أي مقاربة تُعيد إنتاج التسويات المؤقتة، قائلًا إن "وقف إطلاق النار مع إبقاء السلاح كما هو غير مقبول اليوم".
والمطلب واضح وفق حكيم: "إنهاء حزب الله كمنظومة عسكرية خارج إطار الدولة هو الطلب الأول والأخير. السلاح غير الشرعي يجب أن يزول، حتى لو تطلب ذلك تفاوضًا مباشرًا مع إسرائيل على معادلة السلام مقابل نزع السلاح".
ويُذكّر الوزير بأن الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام أصدرت قرارًا تاريخيًا في الثاني من مارس/آذار الجاري يحظر جميع "الأنشطة العسكرية والأمنية" لحزب الله، ويُلزمه بتسليم أسلحته للدولة، مع تفويض الجيش باستخدام القوة إذا لزم الأمر.
لكن حكيم يرى أن تطبيق هذا القرار يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية لا مبادرات دبلوماسية نظرية.
وخلاصة الرسالة لباريس: "لبنان تعب من المبادرات العاجزة التي تراعي التوازنات أكثر مما تراعي مصالح الدولة اللبنانية. ما يحتاجه لبنان اليوم ليس أفكارًا نظرية، بل إرادة دولية واضحة لمساعدته على استعادة سيادته الكاملة"، كما يقول الوزير السابق.