عبيد حميد المزروعي.. مؤسس «الفجر» يترجل ويرحل وتبقى ذكراه العطرة وكلمته المضيئة
هو رائد، ومن الرجال الذين لا تعترف مسيرتهم بنهايات الحكايات حين يغيبون، لأنهم يتركون وراءهم ما هو أخلد من العمر، وأطول من السنين، وأشد حضوراً من الغياب، بالرغم من أن الموت فجعنا برحيله عن دنيانا يوم الاثنين 24 أغسطس من العام الجاري 2026، لتنظفىء جذوة حياة، وتشتعل ألف شمعة تضيء على ماضيه الجميل ، المفعم بالكفاح، والعمل والنجاحات، والآمال والطموحات التي تحققت، والتطلعات التي لم يسعفه الزمن للوصول إليها، لكنه يكفيه شرفا أنه رائد من رواد الإعلام والصحافة، والفكر، والشعر والأدب في خليجنا العربي، وعالمنا العربي.
يرحل (العم) عبيد حميد المزروعي، ويترك في وجداننا منابر من القيم، وجبالا من الطيبة، وأنهارا تجري في عروقنا من الشهامة، والسخاء والعطاء، والتسامح، ويصر على أن يبقى في قلوبنا جذوة متقدة من الذكرى التي لا تنسى مع مشوار امتد عقودا في كنف فكره ، وعطاءاته التي لا تنتهي.
هكذا يخلد اسم عبيد حميد المزروعي في ذاكرة الصحافة الإماراتية؛ اسماً ارتبط بالكلمة، وبالحلم، وبمرحلة كانت فيها دولة الإمارات تخطو خطواتها الأولى نحو بناء مشروعها الاتحادي والحضاري. رجلٌ آمن أن الصحيفة ليست أوراقاً تُطبع، ولا أخباراً تتصدر الصفحات، وإنما رسالة ومسؤولية وذاكرة وطن.
وفي رحيل المزروعي، لا تنعى الصحافة الإماراتية صحفياً ومؤسساً فحسب، وإنما تستذكر واحداً من الرجال الذين أسهموا في كتابة فصل مبكر من تاريخ الإعلام الوطني.
من عجمان بدأت الحكاية
وُلد عبيد حميد المزروعي عام 1935 في إمارة عجمان، في بيت عُرف باهتمامه بالعلم والعلماء وإكرام أهل المعرفة. وتشير المصادر إلى أن مولده كان في 23 سبتمبر، وأن نشأته الأولى في هذه البيئة العلمية والثقافية تركت أثراً عميقاً في شخصيته الأدبية والفكرية.
ومنذ سنواته الأولى، لم يكن بعيداً عن الكلمة؛ فالشعر والأدب والثقافة رافقته في مراحل حياته، قبل أن تتحول الكلمة لديه من موهبة أدبية إلى مشروع إعلامي ترك بصمته في الإمارات.
وفي العام 1949 انتقل مع والده إلى المملكة العربية السعودية، وهناك عمل في قطاع النفط لدى شركة (أرامكو) لنحو ثماني سنوات. وكانت تلك المرحلة بمثابة نافذة واسعة على عالم مختلف؛ إذ أتاح له احتكاكه بالمجتمع الجديد الاطلاع على الصحف والكتب والدوريات الإنجليزية والأمريكية والبريطانية، كما أسهمت في إجادته اللغة الإنجليزية.
رجل النفط والمال الذي اختار الصحافة
لم تكن الصحافة طريق المزروعي الأول، فقد عمل في مجال النفط، وانتقل لاحقاً إلى العمل المصرفي، حيث أمضى نحو 18 عاماً في القطاع المصرفي، وتولى مناصب إدارية متقدمة، كما التحق ببنك دبي الوطني في بداياته، وأسهم في تأسيس بنك أبوظبي التجاري.
كان أمامه طريق واضح في عالم المال والأعمال، لكنه اختار طريقاً أكثر صعوبة وأبعد أثراً؛ اختار الصحافة.
كان ذلك الاختيار أشبه بمن يترك طريقاً ممهدة ليشق طريقاً جديداً في أرض لم تكن الصحافة فيها قد أخذت بعد شكلها الذي عرفته لاحقاً.
(الفجر).. حلم ولد مع دولة الاتحاد
في العام 1974 بدأت فكرة إصدار صحيفة جديدة في أبوظبي تتحول إلى واقع. وبعد الحصول على التصريح، صدر العدد الأول من صحيفة (الفجر) في 17 مارس 1975.
وكان الاسم بحد ذاته يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فقد أراد المزروعي (رحمه الله) أن تكون (الفجر) تعبيراً عن فجر دولة الاتحاد، وعن مرحلة جديدة بدأت في تاريخ الإمارات.
وتصف الصحيفة نفسها هذه الرؤية أن المزروعي أراد لها أن تكون مشروعاً إعلامياً يرسخ مبادئ وقيم دولة الاتحاد، وأن تقدم الكلمة الصادقة والمعلومة الدقيقة وتخدم الوطن والمجتمع.
وهكذا خرجت (الفجر) إلى النور في زمن كانت فيه الإمارات لا تزال في بدايات تجربتها الاتحادية.
كانت الصحيفة في بدايتها أسبوعية، مؤلفة من ثماني صفحات، وكان عبيد حميد المزروعي صاحب الامتياز ورئيس التحرير. وطبعت أعدادها الأولى في الكويت، واستقطب للعمل فيها عدداً من الصحفيين والكتاب والفنانين المعروفين.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بالبدايات الأولى للصحيفة: أحمد نافع، محمد العكش، محمود السعدني، عدلي برسوم، عبدالفتاح الفيشاوي، أسامة عجاج، وحيد أباظة، شمس الدين الضعيفي، علي كوهيه، خيرة الشيباني، محمد غباش وهندي غيث.
كانت تلك الأسماء، إلى جانب المؤسس، تشكل نواة تجربة إعلامية أراد لها صاحبها أن تتجاوز حدود صحيفة ناشئة إلى مؤسسة مهنية وثقافية.
من أسبوعية إلى يومية
لم تتوقف رحلة (الفجر) عند بدايتها الأسبوعية.. ففي العام 1978 تحولت إلى صحيفة يومية، وبدأت ترسخ حضورها في المشهد الإعلامي الإماراتي، مع اهتمام خاص بالأخبار الاقتصادية والمالية.
وتشير دراسات تاريخ الصحافة الإماراتية إلى أن (الفجر) تميزت بصفحاتها الاقتصادية، واستفادت من التعاون مع مصادر اقتصادية دولية، بما في ذلك مادة من Financial Times باللغة الإنجليزية.
ولم يكن الاهتمام بالمضمون وحده هو ما ميز تجربة المزروعي؛ فقد أولى أهمية للإخراج الصحفي والخط العربي، واستُخدمت في الصحيفة أساليب فنية وخطية من بينها خط الثلث في بعض العناوين.
الصحيفة التي أرادها المزروعي مرآة للوطن
لم يكن عبيد حميد المزروعي (رحمه الله) يرى (الفجر) مشروعاً تجارياً بل كان يؤمن أن دولة فتية مثل الإمارات تحتاج إلى إعلام وطني يواكب مشروع البناء، ويوثق التحولات، ويعطي المجتمع مساحة للتعبير، ويكون شاهداً على مسيرة التنمية. وفي حديث له عن مسيرة (الفجر)، أكد أنها رافقت مسيرة التنمية في الإمارات منذ عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، وأنها تبنت نهجاً إعلامياً وطنياً.وهنا تكمن قيمة التجربة؛ فقد كان (المزروعي) صحفياً يعيش اللحظة ويكتب للتاريخ في الوقت نفسه.فالخبر الذي كان يطبع في (الفجر) لم يكن بالنسبة إليه خبراً عابراً، وإنما جزءاً من سجل مرحلة كاملة.
عبيد المزروعي.. الشاعر الذي حمل الشعر إلى الصحافة
إذا كان عبيد المزروعي رجل صحافة، فإنه كان قبل ذلك وبعده شاعراً وأديباً.
وقد انعكس عشقه للكلمة على مشروعه الصحفي، فلم يجعل (الفجر) صحيفة أخبار وسياسة واقتصاد فقط، وإنما فتح صفحاتها للثقافة والأدب والشعر والتراث.
ومن أبرز ما ارتبط بالصحيفة ملحق (فجر الشعراء)، الذي أصبح مساحة للشعراء الإماراتيين والخليجيين والعرب، وأسهم في إبراز الشعر النبطي وتوثيق جانب من الذاكرة الشعرية والثقافية.
أما هو، (رحمه الله) فقد ترك مؤلفات أدبية من بينها:
(وقائع الزمان وأعمدة البنيان: مذكرات.
(عقد الجمان في المدح والبيان).
وكان شعره متأثراً أيضاً بشخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، (طيب الله ثراه الطاهر) الذي رافقه المزروعي في عدد من الزيارات الرسمية خارج الدولة، وكتب فيه قصائد عدة، من بينها قصيدة (موكب النور).
الشيخ زايد في ذاكرة المزروعي
من أكثر فصول سيرة المزروعي أهمية علاقته بالشيخ زايد، فقد التقى الشيخ زايد(طيب الله ثراه) للمرة الأولى في العام 1952 في الدمام، عندما كان المزروعي يعمل في قطاع النفط السعودي، وكان الشيخ زايد في زيارة رسمية للمملكة. ثم توطدت العلاقة لاحقاً، ورافقه المزروعي في عدد من الزيارات الرسمية إلى دول مختلفة.
وقد تحدث المزروعي عن الشيخ زايد باعتباره قائداً ملهماً، واستذكر حكمته وإنسانيته ورؤيته المستقبلية، مؤكداً أن بناء الإنسان والتعليم كانا من أهم مرتكزات مشروعه.
ومن هنا يمكن فهم جزء من فلسفة (الفجر): فقد ولدت الصحيفة في زمن كان فيه مشروع الاتحاد نفسه لا يزال يتشكل، فحاول مؤسسها أن يجعل منها صوتاً يرافق ذلك المشروع.
نصف قرن من النور
في 17 مارس 2025 أكملت (الفجر) خمسين عاماً على صدورها.
خمسون عاماً من الصحافة تعني آلاف الأعداد، ومئات الصحفيين، وآلاف الأخبار والمقالات والتحقيقات والصور، والأهم أنها تعني نصف قرن من التحولات التي عاشتها الإمارات.
وفي مناسبة اليوبيل الذهبي، كتبت عائشة عبيد المزروعي المدير العام لدار الفجر للصحافة والطباعة والنشر عن والدها، ووصفت مشروعه بأنه كان سابقاً لعصره في فكره ومنهجيته واستراتيجيته ورؤيته، وأن ولادته الإعلامية جاءت مع انطلاقة (الفجر) عام 1975.
استمرت الصحيفة في إصدار أعدادها اليومية، واحتفلت في مارس 2026 بمرور 51 عاماً على تأسيسها، مؤكدة استمرار الإرث الذي بدأه مؤسسها(رحمه الله).
ونعت الأستاذة عائشة المزروعي والدها بكلمات تفوح بالفخر بمسيرة والدها، وتعلو فوق الألم، والحزن، وتسمو بكل ما قدمه الراحل من عطاءات، وحكمة، وريادة سجلت اسمه في سجل الشرف والفكر والأدب والشعر.
مدرسة صحفية لا مجرد صحيفة
ولعل أعظم ما تركه المزروعي لا يكمن في عدد صفحات (الفجر)، ولا في سنوات رئاسته للتحرير، وإنما في الأجيال الصحفية التي مرت من مدرسته.
فقد عمل في الصحيفة صحفيون وكتاب وفنانون أصبح كثير منهم لاحقاً أسماء معروفة في الإعلام العربي.
وفي شهادة مؤثرة عن تجربته، كتب الدكتور هشام الفيشاوي عن لقائه الأول بالمزروعي في مقر (الفجر) القديم بشارع الكترا، ووصفه بأنه كان قامة فارعة وشخصية مهيبة، مشيراً إلى أنه كان رجل مال وأعمال ترك ذلك كله واختار الصحافة بحثاً عن حلم وهدف يفيد به الناس.
وهذا ربما يلخص الرجل أكثر من أي تعريف آخر:
رجل كان يستطيع أن يكتفي بما حققه في المال والأعمال، لكنه اختار أن يترك أثراً في الكلمة.
حين يغيب الإنسان وتبقى كلمته
نعم فقدنا رائدنا، ومعلمنا، وقدوتنا، ومشعل الفكر، ومنبر النور لكن (الفجر) - كما أراد المؤسس- ستواصل سطوعها، لأن روح الراحل ستبقى تسري بجنباتها، تؤكد خلود الكلمة واستمرارها.
ستظل غرفة الأخبار تسمع، في خيال من عرفوه، وقع خطوات ذلك الرجل الذي آمن أن الصحيفة يمكن أن تكون وطناً صغيراً للكلمة.
وستظل صفحاتها شاهدة على زمن كان فيه الصحفي يكتب بالقلم، ويبحث عن الحقيقة في أرشيف الورق، وينتظر المطبعة لتمنح كلماته حياة جديدة في الصباح.
لقد تغيرت الصحافة.تغيرت المطابع.واختفت غرف كثيرة كانت تضج بأصوات الصفافين والمخرجين والمحررين. لكن الكلمة الصادقة لا تموت.
و(الفجر)، ذلك الاسم الذي اختاره المزروعي تيمناً بفجر الاتحاد، سيظل يحمل شيئاً من صاحبه؛ لأن بعض الرجال لا يكتبون أسماءهم في الصحف فقط، بل يكتبون أنفسهم في تاريخ الصحافة.
إرث عبيد المزروعي
رحلته تمتد من عجمان إلى السعودية، ومن النفط إلى المصارف، ومن المال والأعمال إلى الصحافة، ومن الشعر إلى تأسيس مؤسسة إعلامية، إلى صفحات (الفجر).
وفي كل محطة كان يبحث عن شيء واحد: المعنى.
لم يكن يريد أن يكون صاحب صحيفة فحسب؛ كان يريد أن يصنع من الصحيفة رسالة.
ولذلك فإن إرثه الحقيقي ليس الورق الذي طبعته (الفجر)، وإنما الفكرة التي بقيت بعد الطباعة:
أن الصحافة ذاكرة وطن، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الإعلام حين يؤمن برسالته يستطيع أن يكون شريكاً في بناء الإنسان والدولة. وهكذا، فإن غاب صاحب (الفجر)، يبقى الفجر.وتبقى الكلمة.ويبقى الوطن الذي كتب من أجله.
رحم الله عبيد حميد المزروعي، وأسكنه فسيح جناته، وجزى هذا الرائد عن نصف قرن من العطاء الصحفي والثقافي خير الجزاء.
وسيظل اسمه، في ذاكرة الصحافة الإماراتية، مرتبطاً بذلك الصباح البعيد من عام 1975، حين خرجت (الفجر) إلى الناس، حاملةً رسالة رجل آمن أن للكلمة قدرة على أن تضيء الطريق.
فبعض الصحف تُطبع في المطابع...وبعضها يُطبع في ذاكرة الوطن. و(الفجر) في الوجدان لأنها قبس من روح المزروعي الطاهرة.