رئيس الدولة يستقبل ولي عهد عجمان ويستعرضان عدداً من القضايا التي تتعلق بشؤون الوطن والمواطن
عزلة لاهاي.. ما أسباب انتفاضة دول الجنوب على الجنائية الدولية؟
خلال أقل من أسبوع، تلقت المحكمة الجنائية الدولية ضربة دبلوماسية وسياسية موجعة، عقب إعلان كل من فنزويلا وتشاد رسميًا بدء إجراءات انسحابهما منها وإلغاء تصديقهما على ميثاق روما الأساسي، لينضما بذلك إلى تكتل دول الجنوب المنتفضة على هيمنة لاهاي. وكانت رئيسة الجمهورية المكلفة في فنزويلا، ديلسي رودريغيز، قد أكدت أن كاراكاس ستغادر المحكمة وتنسحب نهائيًا من «ميثاق روما»، متهمة إياها بتسييس الملفات القضائية واستهداف دول الجنوب العالمي. واعتبرت رودريغيز أنّ المحكمة تحولّت إلى أداة لخدمة مصالح أطراف دولية نافذة -دون أن تسمّيها- وممارسة الضغط السياسي على نظام الحكم في كاراكاس. في المقابل، دعت البعثة الأممية لتقصي الحقائق في فنزويلا حكومة رودريغيز إلى التراجع عن القرار. ولم تكد تمضي 3 أيام حتى لحقت تشاد بفنزويلا، معلنة البدء الفعلي لإجراءات التحلل من الميثاق. وعزت إنجامينا موقفها إلى «ضعف فاعلية المحكمة ومحدودية نتائجها»، فضلاً عن انحيازها الملحوظ واستهدافها المباشر لقضايا الجنوب العالمي منذ دخول الميثاق حيز التنفيذ عام 2002. وأوضحت الخارجية التشادية، في بيان صحفي، أن القرار جاء عقب مراجعة شاملة لعمل المحكمة، منتقدة كفاءتها ومؤكدة العزم على الاعتماد على الآليات الوطنية والإقليمية لتعزيز العدالة وحقوق الإنسان.
خريطة المنسحبين
ووفقًا للمادة 127 من نظام روما الأساسي، يتطلب انسحاب أية دولة مرور عام كامل من الإخطار الرسمي ليدخل حيز التنفيذ، دون أن يعفي ذلك تشاد أو فنزويلا من التزاماتهما السابقة أو التحقيقات الجارية خلال فترة العضوية. وبهذا الخيار، تنضم فنزويلا وتشاد إلى قائمة عريضة من الدول الرافضة لمظلة نظام روما، التي تشمل مالي والنيجر وبوركينا فاسو (تحالف دول الساحل) التي قدمت وثائق انسحابها رسميًا، إلى جانب الفلبين (2019) وبوروندي (2017)، فضلاً عن تجارب سابقة لغامبيا وجنوب أفريقيا اللتين تراجعتا عن الخطوة لاعتبارات قضائية وسياسية داخلية. ويرى خبراء ومتابعون للشأن الدولي أن المحكمة الجنائية الدولية تعاني أزمة وجود حقيقية، تعكسها موجة الانسحابات المطردة لدول كانت ترى في ميثاق روما ملاذًا للشعوب المضطهدة من نير استبداد القوى الكبرى. ويؤكد المراقبون أن المحكمة فشلت في استحقاق «تأميم» و»تعميم» مبدأ العدالة على كافة القضايا الإقليمية والمسائل الدولية، على نحو جعلها تنحاز لمقاربات بعض القوى الغربية الأوروبية وتصوراتها السياسية والتوسعية. وتشير مصادر إعلامية إلى أن العديد من قادة أفريقيا وأمريكا اللاتينية باتوا ينظرون إلى قرارات الجنائية الدولية باعتبارها أدوات للضغط السياسي والوصاية الخارجية، ما جعل الانسحاب قرارًا سياديًا لحماية العدالة.
انكماش الولاية
وحسب مصادر مطلعة على كواليس القرار في بروكسل ولاهاي، فإن التخوف الحقيقي لدى الأوساط الدبلوماسية لا يقتصر على إنهاء العضوية، بل يمتد إلى تفريغ الميثاق من مضمونه الرمزي ومرجعيته الأخلاقية.
ومع التطابق الحاصل بين دول الجنوب والقوى الكبرى (كالولايات المتحدة وروسيا والصين) الرافضة أساسًا لتأسيس المحكمة، تتجه «الجنائية الدولية» تدريجيًا للتحول إلى مؤسسة ذات طابع إقليمي أوروبي محدود، تحتكم للمبادئ وتصورات بروكسل في مقاربتها للجرائم والانتهاكات. وفي هذا السياق، يؤكد الخبراء أن الدول المنسحبة لن تنكفئ على ذاتها، بل ستسعى لبناء وتفعيل محاكم قارية صلب المنظمات الإقليمية لسحب بساط الشرعية القضائية من «لاهاي».
وتؤكد المصادر وجود مسعى جاد داخل أروقة الاتحاد الأفريقي والمجموعات اللاتينية لتفعيل هياكل قارية قائمة، مثل «المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب»، لتكون مظلة قضائية محلية تغني عن التوجه إلى لاهاي.
المساواة والحياد
وتُحذر بعض المصادر المطلعة من أنه ما لم تبادر الجمعية العامة للدول الأعضاء إلى إجراء إصلاحات هيكلية تضمن المساواة والحياد، فإن قطار الانسحابات لن يتوقف عند محطة إنجامينا أو كاراكاس. ورغم أن المحكمة لا تواجه خطرًا قانونيًا يُنهي وجودها التشغيلي، إذ إن النصاب العددي مستوفى بحضور 124 دولة عضو مقارنة بالنصاب الأدنى المحدد بـ60 دولة، فإنها تواجه خطر انكماش نطاق ولايتها الجغرافية. وهي موجة مرشحة للتصاعد، في ظل الدعوات الصريحة التي تعلنها الإدارة الأمريكية للدول الأعضاء بالانسحاب، وهي الإدارة ذاتها التي فرضت عقوبات اقتصادية وسياسية على أبرز قضاة المحكمة ومدعيها العام السابق. وفي حين تعد بعض القراءات أن خطوات إعادة هيكلة الادعاء العام -عبر عزل المدعي العام كريم خان- تشكل مسارًا إيجابيًا لترميم البناء المناقبي للمحكمة وتطوير عملها، ترى قراءات أخرى أن الأمر يتطلب إصلاحًا بنيويًا شاملاً في جسم المحكمة وفلسفتها القضائية.