فرانسوا روفان.. مرشح يحلم بالإليزيه ويسير إليه وحيدًا

فرانسوا روفان.. مرشح يحلم بالإليزيه ويسير إليه وحيدًا


في الوقت الذي تتزاحم فيه أحزاب اليسار الفرنسي على رسم ملامح مرشحها للانتخابات الرئاسية لعام 2027، اختار النائب فرانسوا روفان أن يشق طريقًا مختلفًا.  لا يعتمد على آلة حزبية قوية، ولا على تحالفات واسعة، بل يقدّم نفسه مرشحًا مستقلًا يسعى إلى بناء ما يسميه «الطريق الثالث» بين يسار جان-لوك ميلانشون والوسط الاشتراكي، في رهان يعتبره مؤيدوه جريئًا، بينما يراه منتقدوه مغامرة سياسية قد تنتهي بالعزلة.

حملة على الطرق.. 
تعكس شخصية صاحبها
في صيف 2026، أثار روفان الانتباه عندما بدأ جولة انتخابية غير مألوفة متنقلًا عبر فرنسا باستخدام «الأوتوستوب» «إيقاف السيارات المارة»، حاملاً حقيبة ظهر ولافتة كرتونية، ومعلنًا أنه يريد «التخلص من التسويق السياسي» وخوض حملة قريبة من الناس. لكن هذه الصورة الرمزية، بحسب تقارير صحفية فرنسية، تعكس أيضًا شخصيته السياسية؛ فهو يقترب من الحلفاء ثم يبتعد عنهم سريعًا، ويُعرف داخل اليسار بأنه شخصية يصعب الإمساك بها سياسيًا، حتى إن أحد النواب الشيوعيين وصفه بأنه «مراوغ» ويميل إلى العمل منفردًا.

من نجم في اليسار إلى
 مرشح شبه وحيد
كان روفان أحد أبرز الوجوه الصاعدة داخل اليسار الفرنسي، وبرز اسمه بقوة عقب الانتخابات التشريعية عام 2024 عندما كان من أوائل الداعين إلى تشكيل «الجبهة الشعبية الجديدة» لمواجهة اليمين. لكن اللحظة التي بدت وكأنها قد تمنحه موقع القيادة انتهت سريعًا؛ إذ بقي خارج دوائر القرار داخل التحالف، بينما استعاد جان-لوك ميلانشون زمام المبادرة، لتبدأ بعدها علاقة روفان باليسار مرحلة جديدة اتسمت بالابتعاد التدريجي. ورغم دعوات قوى يسارية لتوحيد الصفوف داخل إطار سياسي جديد، رفض روفان الانضمام إلى المشروع، مفضّلًا الاحتفاظ بحزبه «Debout!» وخوض معركته السياسية بصورة مستقلة.

«بين المائعين والمجانين»
يطرح روفان نفسه بوصفه ممثلًا لـ»طريق ثالث» داخل اليسار، ويختصر مستشاروه هذا التوجه بشعار: «بين المائعين والمجانين»، في إشارة إلى رغبته في التمايز عن اليسار الاشتراكي التقليدي من جهة، وعن تيار ميلانشون من جهة أخرى. ويؤكد مقربوه أن أولوياته تتركز على القضايا الاجتماعية ومحاربة الفساد وتحسين أوضاع العمال، معتبرين أن النقاش السياسي انشغل بقضايا الهوية على حساب الأجور والقدرة الشرائية. ولهذا أطلق سلسلة من «دفاتر الحملة» التي تتناول ملفات مثل مكافحة الفساد، والعمال الأساسيين، والعمل البيئي، في محاولة لفرض أجندته الخاصة على النقاش الرئاسي.

برنامج يقوم على «النزاهة»
يراهن روفان على شعار «الفصل بين المال والدولة»، ويجعل مكافحة الفساد أحد أعمدة مشروعه الانتخابي، ومن بين الأفكار التي يطرحها: تشديد الرقابة على انتقال المسؤولين إلى القطاع الخاص، مكافحة تضارب المصالح، إصلاح العلاقة بين السياسة ورأس المال، التأكيد على التقشف الشخصي، حتى إنه أعلن أنه سيكتفي براتب يعادل الحد الأدنى للأجور إذا أصبح رئيسًا. غير أن هذه الطروحات قوبلت بسخرية بعض خصومه، ومن بينهم الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، الذي اعتبرها شعارات رمزية أكثر منها برنامجًا قابلًا للتطبيق.

مواقف أثارت غضب اليسار
لم تخل حملة روفان من الأزمات، فقد أثار رفضه للهجرة الاقتصادية انتقادات واسعة داخل اليسار، واتهمه بعض أعضاء حزب «فرنسا الأبية» بمحاولة مغازلة ناخبي اليمين. كما أثارت سيرته المصورة «Picardie Splendor» جدلًا بعدما اتهمه بعض اليساريين بإعادة إنتاج صور نمطية وطرح مقاربة وُصفت بأنها أبوية، ما اضطره لاحقًا إلى تقديم توضيحات والاعتراف ببعض الأخطاء.

هل يملك فرصة حقيقية؟
يرى أنصار روفان أن غياب انتخابات تمهيدية موحدة داخل اليسار يمنحه فرصة لفرض نفسه مرشحًا مستقلًا، خصوصًا بعد تراجع بعض الشخصيات عن خوض السباق. في المقابل، يشكك كثير من قادة الأحزاب اليسارية في قدرته على منافسة ميلانشون أو الوصول إلى الدور الثاني، معتبرين أن أي مرشح لا يستطيع تجاوز زعيم «فرنسا الأبية» سيؤدي عمليًا إلى تشتيت أصوات اليسار.
أما داخل حزب ميلانشون، فلا يبدو أن ترشح روفان يثير قلقًا كبيرًا، إذ يعتبره بعض قيادات الحزب ظاهرة إعلامية أكثر منه منافسًا حقيقيًا.

معركة البقاء السياسي
يبقى فرانسوا روفان إحدى أكثر الشخصيات الفرنسية إثارة للاهتمام داخل اليسار؛ فهو يحتفظ بصورة السياسي القريب من الناس، لكنه في الوقت نفسه يواجه عزلة تنظيمية وتراجعًا في شبكة حلفائه.
وبينما يواصل جولاته الميدانية ساعيًا إلى رسم طريق مستقل نحو قصر الإليزيه، يبقى السؤال مطروحًا: هل يستطيع هذا «المرشح الوحيد» تحويل استقلاليته إلى نقطة قوة، أم أن انتخابات 2027 ستثبت أن الطموح الفردي لا يكفي لعبور الانقسامات العميقة داخل اليسار الفرنسي؟