في يوم المرأة الإماراتية .. خولة السويدي سيرة امرأة جمعت بين الفكر والفن والثقافة
في يوم المرأة الإماراتية، نحتفي بنموذج استثنائي للمرأة الملهمة، التي كرست حضوراً ثقافياً وفنياً عالمياً، إنها سمو الشيخة خولة بنت أحمد بن خليفة السويدي، حرم سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم أبوظبي، رئيسة مؤسسة "خولة للفن والثقافة"، التي تشكّل اليوم علامة فارقة في المشهد الثقافي العربي، بحضورٍ يجمع بين عراقة الهوية وحداثة الفكر.
نشأت سمو الشيخة خولة بنت أحمد بن خليفة السويدي في بيت غمره الحنان والحداثة ورُقي الثقافة. فقد كان والدها الأديب والمفكر ركيزة أساسية في بناء صرح ثقافي داخل منزله، انطلق منه ليُسهم في نشر الثقافة على امتداد دولة الإمارات. وقد وجد في الوطن بيئة حاضنة لخطاه، وكان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – أول الداعمين لمساعيه في نشر الثقافة ومواجهة الأمية، كما كان لمعالي أحمد خليفة السويدي إسهامات بارزة في ميادين العمل الثقافي، وتواصل هذا الإرث مع شقيقها معالي محمد بن أحمد خليفة السويدي الذي أسّس المجمع الثقافي في أبوظبي، ناقلاً الإمارة إلى مكانة ثقافية مرموقة ما زالت تنبض بالإنجازات.
منذ طفولتها، كان الشعر النبطي يتردّد في جنبات المنزل كجزء من الهوية اليومية، وهناك، في دفء المجالس العائلية، بدأت تلتقط المفردة، وتطارد القافية، وتكتب كما يُغنّي القلب لا كما يُملي القاموس. لم تسعَ إلى تزيين الكلمات قدر ما كانت تفتّش عن صدقها. ومن أولى قصائدها، التي قالت فيها:
لعمرك لولا الهوىما شغل البال شاغللولا لوعات تأن بالحشا لولا اشتياق مجنون يجاذبني اليكفتهده وتدمره.
لكن الشعر، رغم عمقه، لم يكن موهبتها الوحيدة، إذ سرعان ما بدأت رحلة في عوالم أخرى، وعلى رأسها الخط العربي، الذي عشقته كفنٍّ وروح، لا كحرفة بصرية فحسب. بدأت أولى خطواتها في مدرسة الخط الديواني، تحت إشراف الأستاذ محمد مندي، لتنتقل بعدها إلى دراسة أنماط أخرى، متعمقة في أسرار الحروف وجمالياتها. ومع مرور الوقت، طوّرت أسلوبها الخاص الذي جمع بين الأصالة والتفرّد، لتبتكر خطاً مميزاً يحمل بصمتها الفنية، فأصبحت جميع أعمالها تنبض بروح هذا النهج الذي أتقنته وكرّسته كهوية بصرية خاصة بها.
وفي عام 2008، أسست سمو الشيخة خولة مجلس خولة الثقافي، الذي بدأ بفكرة صغيرة وتطور ليتسع ليشمل شرائح متعددة من المجتمع. انطلقت البداية من لقاءات ودية جمعت الأهل والأصدقاء، حيث كانت تدور النقاشات حول الشعر والعلم والفن. ومع مرور السنوات، اتسعت هذه اللقاءات لتضم أساتذة وأطباء وأدباء ونقاداً من مختلف التخصصات، يشاركون في ندوات ثقافية تناولت قضايا الفكر والإبداع في مجالات الشعر والرسم والنحت والموسيقى والفنون كافة.
لم تقف هذه المبادرات عند حدود الشعر والمجلس، بل تجلّت في مشروع أكثر شمولاً، حين أطلقت سموها "خولة للفن والثقافة"، الذي تأسس بدافع رد الجميل للغة العربية وفنونها، وعلى رأسها الخط العربي. المشروع بدأ كمبادرة متخصصة في دراسة الخط ومدارسه، لكنه سرعان ما اتّسع ليصبح منصة فنية وثقافية تُعنى بالفنون الإسلامية والبصرية من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتركيا وإيران. لم تكتفِ المؤسسة بعرض الفنون، بل تبنّت البحث والتوثيق والتعليم، واحتضنت الفنانين الشباب، وقدّمت للجمهور مكتبة نادرة متخصصة، وورشًا تدريبية عالية المستوى.
ومع الزمن، أصبحت المؤسسة عنوانًا عالميًا للحوار الفني بين الثقافات، ونقطة التقاء للفنانين من الشرق والغرب، وللأفكار التي تُبنى لا على الاختلاف، بل على التكامل. كانت محطة "السلام والمحبة" في معرض صالة ساتشي بلندن عام 2017 من أبرز المحطات الدولية، حيث حملت سموها الحرف العربي والشعر النبطي إلى جمهور جديد، مؤمنة بأن الفن لا يعرف الحواجز، بل يكسرها.
ولا تقتصر إنجازاتها على الداخل، بل امتدت إلى الساحة العالمية، حيث انضمت في عام 2024 إلى مجلس إدارة متحف جامعة نافارا في إسبانيا، لتكون أول فنانة عربية وخليجية تنال هذا الشرف.
وفي إطار هذا التعاون، قدمت ورشة عمل للجمهور الإسباني حول فن الخط العربي، وشاركت في قراءات شعرية قدّمت من خلالها صورة حيّة عن الثقافة العربية. حضورها لم يكن فنيًا فقط، بل كان تجسيدًا للهوية الإماراتية المعتزّة بجذورها والمنفتحة على العالم.
تقول سمو الشيخة خولة إن الشعر شكّل بالنسبة لها نقلة روحية، ومنحها وسيلة للتعبير عن الذات، والحب، والجمال، والوطن، بطريقة سلسة تدخل القلوب وتخاطب العقول. وتضيف أن كل عمل فني لها يحمل قصة ورسالة، تمامًا كما أن مؤسسة "خولة للفن والثقافة" ليست مجرد منصة ثقافية، بل مشروع وطني وإنساني يسعى إلى تعزيز قيمة الفن كأداة لتغيير الواقع، وتجميل الحياة.
رؤيتها للمستقبل لا تقل وضوحًا عن بصمتها الحاضرة. فهي ترى أن المؤسسة، خلال السنوات العشر القادمة، ستكون المرجع الأول إقليميًا لكل من يبحث عن المعرفة الدقيقة في الفنون والثقافة، وأنها ستقود تحولات فنية حقيقية تستند إلى الجذور وتخاطب المستقبل.
وعن الدعم الذي تلقّته في مسيرتها، لا تخفي امتنانها لزوجها سموُّ الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم إمارة أبوظبي الذي كان أكبر داعميها، ولم يتردد في تشجيعها على إبراز مواهبها ومشاريعها. كما تؤكد أن أبناءها كانوا الحافز الدائم في رحلتها، إذ شاركوها تفاصيلها وساندوها في كل محطّة.
في حديثها عن المرأة الإماراتية، تعبّر الشيخة خولة عن فخرها برؤية نساء الوطن يتبوأن أعلى المناصب، ويترجمن رؤية القادة، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ، وسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية "أم الإمارات"، التي دعمت المرأة في أن تكون شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة.
وتؤمن الشيخة خولة أن المرأة الإماراتية تمتلك من القدرة والموهبة ما يمكّنها من مواصلة الريادة، شرط أن تؤمن بنفسها وتثابر على تطوير ذاتها، وتوجّه في هذه المناسبة رسالة صادقة لكل امرأة: أن تبدأ يومها بذكر الله، وأن تواصل التعلم والعمل بشغف. ترى أن الإنسان لا يولد بموهبة واحدة، بل بكنوز كامنة تحتاج إلى من يكتشفها ويصقلها، لتصبح في خدمة وطنه ومجتمعه.
في يوم المرأة الإماراتية، لا يمكن الحديث عن إنجازات الوطن دون التوقّف أمام سيرة امرأة جمعت بين الفكر والفن، بين الحرف واللوحة، بين الجمال والمسؤولية إنها سمو الشيخة خولة بنت أحمد بن خليفة السويدي.