انقلب السحر على الساحر

كولومبيا: ألفارو أوريبي، سقوط «الرئيس الخالد»...!

كولومبيا: ألفارو أوريبي، سقوط «الرئيس الخالد»...!

-- تعود روابط ألفارو أوريبي بالجماعات شبه العسكرية إلى زمن بعيد عندما كان حاكماً لمنطقة أنتيوكيا
-- كان لإعلان المحكمة العليا مفعول القنبلة، خاصـة بالنســبة لمؤيديه
-- لعائلة أوريبي العديد من الارتباطات والعلاقات السيئة أبرزها مع أوساط المخدرات
-- تبدو القضية التي فرضت الحبس الاحتياطي لأوريبي صغيرة مقارنة بعشرات الشكاوى الأخرى
-- بعد رئاسته، أصبح الفارو أوريبي الناقد الرئيسي لاتفاقية السلام التي تم توقيعها عام 2016


نقطة تحول قضائية وسياسية للبلاد. في ذروة وباء كوفيد -19، تشهد كولومبيا انقلابًا سياسيًا حقيقيًا. الرئيس السابق (2002-2010) ألفارو أوريبي، الذي كان يُنظر إليه طيلة فترة طويلة على أنه لا يمكن المساس به (كان يُدعى الرئيس الأبدي أو رئيس التفلون)، بات اليوم قيد الإقامة الجبرية.
تم اتخاذ القرار “بالإجماع” يوم الثلاثاء، 4 أغسطس، من قبل غرفة التحقيقات بالمحكمة العليا، التي أمرت بـ “الحبس الاحتياطي في المنزل” للزعيم اليميني المتشدد الكولومبي، ومعلّم الرئيس الحالي، إيفان دوكي. وقال محاموه الثلاثاء إنهم لن يستأنفوا الحكم.

اذن، ألفارو أوريبي، مؤسس حزب الوسط الديمقراطي، الحزب الحاكم، محتجز الآن طيلة المدة التي سيستغرقها التحقيق، الذي يرجّح أن يستمر أكثر من عام، في أحد ممتلكاته، الأوبيريمو، عقّار تبلغ مساحته حوالي 1300 هكتار في شمال البلاد حيث سبق ان خضع للحجر الصحي هناك بسبب الوباء. متيّما بشبكات التواصل الاجتماعي، فقد أعلن بنفسه عبر تغريدة أنه تم تسجيله كسجين تحت رقم 1087985. وسيتم أيضًا تعليق مهامه كسيناتور.

مفعول القنبلة
   كان لإعلان المحكمة العليا مفعول القنبلة، خاصة بالنسبة لمؤيديه، الذين يرون في ألفارو أوريبي منقذا للبلاد صاحب قبضة حديدية، الذي من خلال محاربة القوات المسلحة الثورية الكولومبية باي ثمن، جنّب البلاد نير الشيوعية. من جانبهم، احتفى خصومه، الذين شجبوا بلا هوادة على مدى سنوات الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان وتحالفات الدولة غير الطبيعية مع الجماعات شبه العسكرية والمافيا التي تفاقمت في عهده، احتفوا بالخبر بقرع اواني الطبخ.

   في ظل رئاسة ألفارو أوريبي، بدأت الفضيحة الرهيبة المسماة “الإيجابيات الكاذبة”: اغتيال ما لا يقل عن 3000 مدني على يد الجنود، “لتضخيم الارقام” في الحرب ضد القوات المسلحة الثورية الكولومبية فارك. وقام الجيش بتقديمهم على أنهم متمردون سقطوا في المعركة حتى يحصلوا على مكافآت أو تقدم في الرتبة أو أيام إجازة، مما سمح للحكومة، في نفس الوقت، بزيادة عدد انتصاراتها ضد المتمردين.

   بعد رئاسته، أصبح الفارو أوريبي أيضًا الناقد الرئيسي لاتفاقية السلام، التي تم توقيعها عام 2016 بعد سنوات من المفاوضات من قبل حكومة خوان مانويل سانتوس وقوات الفارك المتمردة السابقة، والتي تم ايداعها في برن واعتبرت تاريخية من قبل المجتمع الدولي.

أعداء
   أصبح خوان مانويل سانتوس، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2016، وألفارو أوريبي، الذي كان وزيره للدفاع، من أسوأ الأعداء بمرور السنين. لقد “تم كسر حاجز الإفلات من العقاب في كولومبيا”، تقول مرحبة الصحفية والمحللة السياسية ماريا خيمينا دوزان. ففي نهاية يوليو، أمرت المحاكم، أيضًا، الدولة الكولومبية بتعويض القاضي إيفان فيلاسكيز المسؤول عن التحقيق في الروابط بين الطبقة السياسية والجماعات شبه العسكرية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكان فيلاسكيز في ذلك الوقت هدفًا لحملة اضطهاد نظمتها أجهزة المخابرات والاجهزة الإدارية لحكومة أوريبي.

   وتبدو القضية التي قادت الآن الى الحبس الاحتياطي لألفارو أوريبي صغيرة مقارنة بعشرات الشكاوى الأخرى الأكثر خطورة ضد الرئيس السابق في السنوات الأخيرة: تتم مقاضاته بتهمة توظيف والتلاعب بالشهود وعرقلة العدالة. وتعود الشكوى إلى عام 2012: في ذلك الوقت، قدم الرئيس السابق شكوى ضد السناتور اليساري إيفان سيبيدا، متهماً إياه بزيارة الجماعات شبه العسكرية في السجن لإقناعهم بالإدلاء بشهادتهم ضده.

   ومع ذلك، بعد تحقيق طويل، قرر القضاء عام 2018 إبراء ذمة إيفان سيبيدا، وقلب الوضع تمامًا، وأقرت المحكمة فتح تحقيق ضد ألفارو أوريبي، المشتبه في أنه حاول رشوة عناصر من القوات شبه العسكرية بواسطة محامين للإدلاء بشهادتهم ضد إيفان سيبيدا.

العديد من
الشكاوى الأخرى
    هناك 17 شكوى أخرى قيد النظر من قبل المحكمة العليا، وهي الهيئة المخولة بمحاكمة ألفارو أوريبي لفترات لم يكن فيها رئيسًا، أما البقية فهي أمام غرفة الاتهام في الكونغرس، ولا يزال معظمهما -بسبب الشتائم والفساد والتنصت على المكالمات الهاتفية والمجازر وتشكيل مجموعات شبه عسكرية -في مرحلة التحقيق الأولي. “تتعلق احداها على وجه الخصوص بمذبحة إل أرو التي ارتكبتها الجماعات شبه العسكرية (1997) عندما كان الفارو أوريبي حاكماً للمنطقة، واخرى باغتيال المدافع عن حقوق الإنسان جيسوس ماريا فالي (1998)”، تشير ماريا خيمينا دوزان.

   تعود روابط ألفارو أوريبي بالجماعات شبه العسكرية إلى زمن بعيد. في التسعينات، عندما كان حاكماً لمنطقة أنتيوكيا، شجع على إنشاء تعاونيات مدنية للدفاع عن النفس، ولدت العديد منها جماعات شبه عسكرية منظمة ومهيكلة، زرعت الرعب في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وخوان مونسالف، أحد شهود الادانة في المحاكمة الحالية، وهو عنصر شبه عسكري سابق محتجز الآن، وأيضًا نجل كبير الخدم في أحد ممتلكات عائلة أوريبي، حيث تم تأسيس مجموعة بلوك مترو سيّئة الصيت.

علاقات سيئة
   لعائلة أوريبي العديد من الارتباطات والعلاقات السيئة الأخرى: والد ألفارو أوريبي، الذي اغتاله مقاتلو القوات المسلحة الثورية الكولومبية عام 1983، كان قريبًا من زمرة أوتشوا، إحدى العائلات المؤسسة لعصابة المخدرات في ميديلين. وعاش خايمي، أحد إخوته، لفترة، مع دوللي سيفوينتيس، وهي مهربة مخدرات مرتبطة بكارتل سينالوا المكسيكي. ويُشتبه في أن أصغر أفراد العائلة، سانتياغو أوريبي، أنشأ المجموعة شبه العسكرية المعروفة باسم “رسل المسيح الاثني عشر”، بينما يُسجن ابن العم ماريو أوريبي، الرئيس السابق للكونغرس، لصلاته بالجماعات شبه العسكرية.

   دون احتساب المسؤولين في حكومات الفارو أوريبي المحكوم عليهم بالسجن لارتكاب جرائم مختلفة: رئيسان سابقان للأمن، ومديران سابقان لأجهزة المخابرات، وأمين عام سابق للرئاسة، وثلاثة وزراء سابقين. ...

    وقد أكد الرئيس إيفان دوكي، خليفة الفارو أوريبي، الذي تطلق عليه المعارضة لقب “نائب الرئيس”: “سأعتقد دائمًا في براءة وشرف ألفارو أوريبي”، كما تسبّب في ضجة عندما طالب القضاء بالسماح للرئيس السابق بالدفاع عن نفسه “بحرية”، رغم ان قرار الحبس الاحتياطي أصبح علنيا... “لا تتعدوا وظيفتكم؟”، قال في مقابلة مع صحفية من كاراكول، وهي محطة تلفزيونية قريبة عادة من السلطة...

«القضاء مدين
 لنا بالحقيقة»
   في وقت الدفاع عن زعيمه، طرح حزب الوسط الديمقراطي فكرة الجمعية التأسيسية، ثم إصلاح نظام العدالة ... ويجد الأوريبيون صعوبة في تصور أن زعيمهم يمكن أن يحاكم أمام القضاء، ويمقتون رؤية مقاتلي فارك السابقين يحتلون مقاعد في الكونغرس بموجب اتفاق السلام لعام 2016.

   طيلة عامين، سعى الحزب الحاكم أيضًا، وبكل الوسائل، الى إفشال المحكمة الخاصة للسلام، المكلفة بمحاكمة الأطراف الفاعلة في النزاع المسلح (ولكن ليس الرئيس أوريبي) من أجل إدانتهم، على ان يستبدل اعترافهم بالحقيقة بعقوبات أخرى غير أحكام السجن. ومن أجل تهدئة البلاد، حثت العديد من أصوات المعارضة، التي رحبت بقرار المحكمة العليا بشأن ألفارو أوريبي، قادة القوات المسلحة الثورية الكولومبية على التقدم بشكل أسرع للمحكمة الخاصة للسلام للاعتراف بجرائمهم ومسؤولياتهم... ان “العدالة مدينة لنا بالحقيقة”، تختتم ماريا خيمينا دوزان.