رئيس الدولة يتلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي حول التعاون المشترك والتطورات بالمنطقة
مشروعه للقارة العجوز.. سوق واحدة وقوة أكبر
كيرياكوس بيراكاكيس.. يوناني يسعى لإيقاظ أوروبا من سباتها
قبل عقد، كانت اليونان على حافة الخروج من منطقة اليورو وتعيش إحدى أسوأ أزمات الديون في أوروبا.
اليوم، يرأس يوناني مجموعة اليورو»يورو غروب»، وهي المجموعة التي تجمع وزراء مالية دول العملة الموحدة، ويشارك في رسم مستقبلها الاقتصادي.
في الـ11 من ديسمبر-كانون الأول 2025، انتُخب كيرياكوس بيراكاكيس رئيسًا للمجموعة، في مفارقة تختصر التحوّل الذي شهدته بلاده، لكن صعوده لا يتعلق بالرمزية وحدها؛ فهذا السياسي، الذي جمع بين دراسة السياسات العامة والتكنولوجيا في هارفارد وMIT، بنى مسيرته على تحويل الإصلاح من شعارات إلى نتائج.
من رقمنة الإدارة اليونانية إلى إصلاح التعليم، يطرح بيراكاكيس الآن مشروعًا أوسع: أوروبا أقل حواجز وأكثر اندماجًا، فهل يستطيع اليوناني، الذي أسهم في تحديث بلاده، أن يوقظ القارة من سباتها؟
من الحي الشعبي إلى هارفارد
وُلد كيرياكوس بيراكاكيس عام 1982 في حي باتيسيا الشعبي شمال أثينا ونشأ فيه، وتلقى تعليمه في مدرسة الليسيه ليونين التابعة للماريست، حيث درس الفرنسية ساعتين يوميًّا، وكان شغوفًا بالتكنولوجيا منذ طفولته، إذ فكّك أول جهاز كمبيوتر له في سن التاسعة ليتعرَّف إلى مكوّناته وكيفية عمله. «كان الطالب الأكثر اتصالًا بالإنترنت»، وفق معلمته أماليا سكورا، مديرة المدرسة اليوم، التي تقول «حين كانت شبكتي تنقطع، كنت أتصل به في البيت.»
في الثانية والعشرين، سافر إلى كامبريدج ماساتشوستس ليعود بشهادتي ماجستير: السياسات العامة من هارفارد والتكنولوجيا من MIT ، وهما «طريقتان لإمساك الشيء ذاته من طرفيه»، كما يصف بنفسه.
فلسفته
بحسب مجلة «لوبوان» الفرنسية فإن بيراكاكيس رجل نادر في السياسة: يتحدث بالنتائج لا بالوعود، يستشهد بالكاتب الأمريكي الشهير ويليام فولكنر قائلًا «أظهر، لا تحدّث»، فهو يستحضر مبدأه العملي قبل أن يكون اقتباسًا أدبيًّا.
عندما كان وزيرًا للحوكمة الرقمية بين 2019 و2023، أنجز ما يُعجز دولًا كبرى: منصة «Gov.gr»، بوابة موحدة للخدمات الحكومية أُطلقت في مارس/ آذار 2020 عشية الإغلاق الصحي الكبير وتضم اليوم أكثر من 2250 خدمة.
وتنقل عنه المجلة الفرنسية قوله «حين كان الفرنسيون يملؤون تصاريح الخروج ورقيًّا، كان اليونانيون يحصلون على تصاريحهم برسالة نصية».
ولم يكن التحدي الأصعب تقنيًّا، بل قانونيًّا؛ إذ أتاح للدولة تبادل البيانات بين الوزارات من دون أن يمنحها حق الاطلاع عليها، في خطوة هدفت إلى تبديد المخاوف من مراقبة الدولة. ولتعزيز هذا المشروع، استعان بمتخصص في رقمنة الحكومات، هو ديفيد إيفز من جامعة هارفارد.
ويصف إيفز بيراكاكيس بأنه «وزير يتمتع بعقلية عملية وإرادة قوية»، ويرى أن التجربة اليونانية نجحت لأنها ركزت على بناء بنية تحتية رقمية متكاملة، لا مجرد خدمات منفصلة، مستفيدة من المبدأ الإستوني: «أخبرونا مرة واحدة فقط». أما التكلفة، فكانت، بحسب إيفز، «زهيدة للغاية».
المحرّم الذي كسر حظره
حين تولى بيراكاكيس وزارة التعليم عام 2023، فتح الطريق أمام الجامعات الخاصة، بعد نحو خمسين عامًا من حظرها بموجب المادة الـ16 من دستور 1975. ولعدم امتلاكه الأغلبية اللازمة لتعديل الدستور، لجأ إلى قانون يتيح إنشاء فروع لجامعات أجنبية، أقره البرلمان في الـ8 من مارس-آذار 2024 بأغلبية 159 صوتًا مقابل 129.
لكن الإصلاح أثار غضبًا واسعًا؛ إذ احتُلّت نحو نصف الجامعات في مطلع العام، وشهدت أثينا احتجاجات أسبوعية، إلى جانب تدخلات أمنية أثارت جدلًا.
ويدافع بيراكاكيس عن قراره قائلًا: «حظر الجامعات الخاصة لم يمنع اليوناني الميسور من الالتحاق بها، بل أجبره فقط على اختيار جامعة في الخارج. المهم ليس الإصلاح في حد ذاته، بل الرسالة التي يبعث بها: يمكن إزالة القيود التي تعطل اليونان».
رئاسة «يورو غروب».. نفوذ كبير بلا سلطة رسمية
لا تحظى «يورو غروب» بمكانة مستقلة في معاهدات الاتحاد الأوروبي، سوى الإشارة إليها في بروتوكول ملحق. وهي تجمع غير رسمي يضم وزراء مالية دول منطقة اليورو، لا يصدر قوانين ولا يجري تصويتًا تشريعيًّا، لكن رئاسته تمنح صاحبها نفوذًا كبيرًا؛ فهو يحدد جدول الأعمال، ويقرر متى تصبح الملفات جاهزة للحسم، ويشارك في توجيه أهم التعيينات في منطقة اليورو، ويمثلها في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة السبع المالية.
كما يرأس رئيس اليورو غروب مجلس محافظي آلية الاستقرار الأوروبية، صندوق الإنقاذ الذي أُنشئ في خضم أزمة الديون الأوروبية، والذي كان من بين الجهات التي أقرضت اليونان في أحلك مراحل أزمتها.
عقل يحسب
المعادلات قبل الآخرين
في بروكسل، يتداول كبار موظفي المجلس قصة تكشف جانبًا آخر من شخصية بيراكاكيس. فخلال عملية اختيار خليفة لويس دي غيندوس لمنصب نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، تنافس ستة مرشحين، في سابقة غير معتادة دفعت إلى اعتماد نظام تصويت سري ومعقد.
ويروي مسؤول رفيع في المجلس أنه بمجرد أن اطلع بيراكاكيس على نتائج الجولة الأولى، تمكن من توقع المرشحين الذين سينسحبون، وكيف ستنتقل أصواتهم، وما ستؤول إليه الجولات التالية. «وهذا بالضبط ما حدث»، كما يقول المسؤول لـ «لوبوان». الرجل، بحسب المقربين منه، لا يميل إلى الغضب. وعندما يشعر بخيبة أمل أو يتعرّض للإحباط، يصمت لساعات. «لا يغضب. يصمت فقط».
مشروعه لأوروبا..
سوق واحدة وقوة أكبر
على خطى الإيطاليين ماريو دراغي وإنريكو ليتا، يدافع بيراكاكيس عن أوروبا أكثر اندماجًا وأقل حواجز، بحيث تتوقف الدول الأعضاء عن حماية «أبطالها الوطنيين» وتعمل بدلًا من ذلك على بناء شركات أوروبية قادرة على المنافسة عالميًّا.
ويضع «اتحاد أسواق رأس المال» على رأس أولوياته، وهو مشروع مطروح منذ عام 2015 ولم يكتمل بعد. ويرى أن توحيد الأسواق المالية الأوروبية يمكن أن يساعد على توجيه المدخرات الضخمة للأوروبيين نحو الاستثمار والابتكار وخلق وظائف أفضل أجرًا.
ويستشهد بقطاع الاتصالات مثالًا على ما يمكن أن تحققه السوق الأوروبية الموحدة. فشركتا نوكيا وإريكسون لا تزالان قادرتين على منافسة هواوي عالميًّا، لكن بيراكاكيس يرى أن عليهما أولًا الحصول على سوق بالحجم الذي يتناسب مع قدراتهما.
ويقترح لذلك تنظيم مزاد أوروبي موحد لترددات الجيلين الخامس والسادس، بدلًا من 27 مزادًا وطنيًّا، مع جهة تنظيمية واحدة وإستراتيجية مشتركة. ويمكن أن تذهب عائدات بيع الترددات إلى تمويل الميزانية الأوروبية.
أثينا أم بروكسل؟
يبقى السؤال الأهم معلقًا حول مستقبل بيراكاكيس: هل ستكون العودة لأثينا والعمل في الحكومة المقبلة، حيث يستعد كيرياكوس ميتسوتاكيس لخوض الانتخابات قبل يونيو-حزيران 2027، أو في بروكسل، حيث قد تقوده مسيرته إلى منصب أوروبي أكثر نفوذًا على خطى ماريو دراغي؟
يقول صديقه المقرّب كريستوس شومينيديس، الروائي الحائز جائـــــزةَ الكتــــــــاب الأوروبي 2021: «اليونانيون لم يروا كيرياكوس بيراكاكيس الحقيقي بعد. يعرفون موهبته في الإصلاح، لكنهم لا يعرفون كيف ينظر إلى العالم». أما القادة الأوروبيون، فيبدو أنهم بدؤوا بالفعل في اكتشاف ذلك.