زيلينسكي في أول زيارة رسمية له إلى بلغراد

كيف تعيد صربيا «ضبط المسافة» بين موسكو وأوروبا؟

كيف تعيد صربيا «ضبط المسافة» بين موسكو وأوروبا؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أول زيارة رسمية له إلى صربيا، في محطة تحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، بعدما وسعت بلغراد اتصالاتها مع كييف خلال الأشهر الأخيرة مع استمرار روابطها السياسية والاقتصادية مع موسكو وسعيها المتعثر منذ سنوات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ووصل زيلينسكي إلى بلغراد مساء يوم الجمعة، على أن تستمر زيارته يومين وتشمل الرئيس ألكسندر فوتشيتش ورئيس الوزراء جورو ماتسوت، حيثُ وضع الرئيس الأوكراني الاقتصاد والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي والأمن ضمن جدول المحادثات، بينما تحدث فوتشيتش قبل اللقاء عن التعاون الاقتصادي والطاقة والمسارين الأوروبيين للبلدين.
وتأتي الزيارة بعد أقل من شهر على توجه فوتشيتش إلى كييف في الـ15 من شهر تموز-يوليو الماضي، حيث أعلن زيادة المساعدات الإنسانية والطبية والطاقة لأوكرانيا والمساهمة في إعادة إعمار إحدى بلداتها، مع تمسكه بعدم الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا وامتناعه عن توقيع إعلان دعا إلى زيادة الضغط على موسكو.
وقدمت صربيا لأوكرانيا مساعدات غير عسكرية بلغت نحو 60 مليون يورو منذ بدء الحرب.

كييف تُوسّع 
شبكة البلقان
وقال مصدر دبلوماسي أوكراني لـ»إرم نيوز»، إن كييف تريد تحويل العلاقة مع بلغراد من اتصالات مرتبطة بالحرب إلى علاقة سياسية منتظمة تشمل إعادة الإعمار والطاقة والتجارة والتنسيق الأوروبي، مع إدخال صربيا في أطر إقليمية تستطيع المشاركة فيها من دون أن تصبح علاقتها بأوكرانيا مرتبطة حصراً بموقفها من روسيا.
وتأتي في هذا السياق «مبادرة الكاربات» التي طرحها زيلينسكي مطلع آب كإطار جديد للتعاون بين دول وسط وشرق أوروبا والبلقان، وتضم إلى جانب أوكرانيا صربيا وعددًا من الدول الأوروبية، وتركز على مشاريع النقل والربط اللوجستي والطاقة والتجارة وإعادة إعمار أوكرانيا، إلى جانب التعاون الأمني والمدني.
وتريد كييف من المبادرة إنشاء شبكة إقليميـــــة تربـــــط الدول الواقعة بين البحر الأسود وأوروبا الوسطى بمشاريع مشتركة، فيما أبدى الاتحاد الأوروبي استعداداً لدعمها تمهيداً لإطلاقها خلال الخريف.
وأوضح المصدر أن أهمية مشاركة صربيا بالنسبة لكييف تكمن في فتح قناة تعاون منتظمة مع بلغراد داخل إطار متعدد الأطراف، بحيث تصبح العلاقـــــة بين البلدين مرتبطة بمصالح اقتصادية وإقليميـــــــة طويلة الأمد، وليس فقط بالاتصالات السياسية التي فرضتها الحرب.
 حدود الابتعاد
 عن موسكو
وتبقى قدرة بلغراد على تغيير موقعها مقيدة بعلاقات اقتصادية وطاقة يصعب فكها سريعًا. فروسيا ما زالت موردًا رئيسيًا للغاز إلى صربيا، فيما تمتلك جهات روسية 56% من شركة النفط الصربية «NIS»، التي تدير المصفاة الوحيدة في البلاد وتغطي نحو 80% من احتياجات السوق، وقد حصلت الشركة في نهاية تموز على إعفاء أمريكي جديد من العقوبات حتى الـ28 من شهر آب-أغسطس الجاري، وسط مفاوضات لبيع الحصة الروسية. ويرى المحلل السياسي الأوكراني بوهدان بوبوف، أن زيارة زيلينسكي لا تعني انتقال صربيا إلى موقع أوكراني في المواجهة مع روسيا، وإنما تكشف أن بلغراد أصبحت أكثر استعدادًا لبناء علاقات مباشرة مع كييف في ملفات كانت تتعامل معها سابقًا بحذر شديد.
ويعتبر في تصريحات لـ»إرم نيوز»، أن مصلحة أوكرانيا تكمن في تقليص الحصرية الروسية داخل السياسة البلقانية، لأن إقامة علاقة مستقرة مع دولة تحتفظ باتصالات قوية مع موسكو تمنح كييف حضورًا في بيئة سياسية ظلت روسيا مؤثرة فيها تاريخيًا.

أوروبا تدخل المعادلة
ويواجه فوتشيتش في الوقت نفسه ضغوطًا أوروبية واضحة لزيادة توافق السياسة الخارجية الصربية مع الاتحاد. وأكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا خلال زيارته بلغراد في شهر حزيران-يونيو الماضي، أن التقدم في العضوية يتطلب توافقًا أكبر مع السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد، فيما كرر البرلمان الأوروبي المطلب نفسه في تقريره الأخير حول صربيا.
ويلفت الخبير في السياسات الأوروبية إنريكي سيربيتو، إلى أن بروكسل ستتعامل مع الانفتاح الصربي على أوكرانيا كإشارة إيجابية، مع بقاء العقوبات على روسيا والمواءمة مع السياسة الخارجية الأوروبية معيارين منفصلين في مفاوضات العضوية.
ويخلص في حديثه لـ»إرم نيوز»، إلى أن النفوذ الروسي في صربيا يمر بمرحلة أكثر تعقيدًا من السابق، إذ حافظت موسكو على أوراق قوية في الطاقة والرأي العام والعلاقات التاريخية، فيما ازدادت قدرة الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا على العمل داخل ملفات كانت روسيا أكثر حضورًا فيها، وهو ما يجعل بلغراد أقرب إلى سياسة تعدد العلاقات من انتقال كامل من محور إلى آخر.