كيف حولت كارتلات أمريكا اللاتينية أفريقيا مصنعاً للمخدرات العالمية؟

كيف حولت كارتلات أمريكا اللاتينية أفريقيا مصنعاً للمخدرات العالمية؟

تشهد القارة الإفريقية توغلاً غير مسبوق لكارتلات المخدرات القادمة من أمريكا اللاتينية، الأمر الذي حوّل القارة السمراء من مجرد “محطة عبور” ثانوية إلى قاعدة أساسية لإنتاج، وتخزين، وتمويل، وتوزيع الكوكايين، والمنشطات الاصطناعية على مستوى العالم. 
وأشارت تقارير حديثة إلى أنّ عصابات أمريكا اللاتينية، وبالتحالف مع شبكات محلية وإقليمية، حوّلت القارة الإفريقية، بشكل عام، وغرب إفريقيا بشكل خاص، إلى قاعدة أساسية لإنتاج الكوكايين بشكل يهدد العالم برمته.

مستويات غير مسبوقة
وأظهرت دراسة حديثة لمركز أفريقيا للدراسات الإستراتيجية «ACSS»، أنّ سوق الكوكايين العالمي يشهد مستويات غير مسبوقة، إذ يقدّر الإنتاج العالمي بـ4.100 طن متري، وهو ما يمثل زيادة هائلة تجاوزت 4 أضعاف ما كان عليه الوضع والحال خلال عقد مضى. 
وتركز الجزء الأكبر من هذا النمو الهائل منذ 2019، مما دفع بالقيمة المالية لقطاع الكوكايين العالمي إلى أرقام فلكية تتراوح بين 218 مليار و374 مليار دولار. 
ففي غرب أفريقيا وحدها، قفزت أحجام الكوكايين المصدرة، سنوياً، من نحو طن متري واحد في 2018 إلى 30 طناً مترياً خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يعكس الحجم الهائل للتدفقات التي تستهدف القارة كبوابة رئيسة نحو أوروبا. 
وبحسب إفادات المصادر الأمنية والاستخباراتية الإفريقية التي أقرت بأنّها مع تشديد جهود الحظر والاعتراض الأمنية على ضفتي المحيط الأطلسي، أظهرت شبكات التهريب قدرة فائقة على التكيف والتطور.  
فلم تعد الشحنات تقتصر على الحاويات التقليدية الموجهة للموانئ الكبرى، بل تحولت إلى شحنات أصغر حجماً محمولة على متن قوارب خاصة، ويخوت، وغواصات مسيّرة تنطلق من موانئ أقل نشاطاً.  
بالإضافة إلى كل ما سبق، يعمد المهربون – وفق ذات الإفادات- إلى تفريغ المخدرات من سفن الحاويات قبل بلوغها الموانئ الإفريقية، لتتولي مجموعات إجرامية محلية سحبها عبر قوارب سريعة، ونقلها إلى مستودعات برية، وإعادة تعبئتها نحو أوروبا. 
وتشير ذات الجهات المطلعة إلى أنّ دوافع هذا النشاط الإجرامي تكمن أساساً في هوامش الأرباح الهائلة، فبينما يبلغ متوسط سعر الجملة لكيلوغرام الكوكايين في مناطق الإنتاج الاصلية بجبال الأنديز نحو 1.650 دولار، يرتفع هذا الرقم، بشكل جنوني، ليصل إلى 44 ألف دولار للكيلوغرام الواحد في السوق الأوروبية، ليبلغ مستويات صاعقة تصل إلى 164 ألف دولار في أوقيانوسيا. 
وهو ما يمنح هذه الكيانات الإجرامية التي تتحكم في عمليات النقل النهائي أرباحاً طائلة تمكنها من بناء إمبراطورية مالية حقيقية.

مركز متنامٍ
ولا يقتصر الزحف اللاتيني على الكوكايين، بل برزت أفريقيا كمركز إقليمي متنامٍ لإنتاج المنشطات الاصطناعية، وعلى رأسها مخدر “الميثامفيتامين».  
ويُقدر السوق العالمي للمخدرات من هذا النوع بما بين 17 مليار و29 مليار دولار، مسجلاً معدل نمو سنوي يبلغ 13%.  
وفي حين بلغت كميات الميثامفيتامين المضبوطة عالمياً 317 طناً مترياً، في العام 2019، “ضعف كميات العام 2014”، فقد قفز الرقم إلى 487 طناً مترياً بحلول العام 2024.
وفي تفكيكها لمنظومة عمل هذه الكارتلات اللاتينية، تبسط القراءات البحثية العميقة جغرافيا توسع العصابات الإجرامية، حيث تستغل الأخيرة البيئة التنظيمية الرخوة في أفريقيا لإنشاء مختبرات سرية متطورة.فمنذ ظهور أولى مختبرات الميثامفيتامين في غرب إفريقيا أوائل العام 2010، جرى تفكيك مختبرات مماثلة حديثاً في كل من: جنوب إفريقيا، ونيجيريا، وكينيا، وموزمبيق.

طهاة المخدرات
وتعتمد هذه المختبرات – التي تُقام، غالباً، في مزارع ريفية أو مصانع مهجورة – على سلائف كيميائية أولية تُستورد من الصين وجنوب شرق آسيا، وتُدار تصنيعياً بإشراف فنيين كيميائيين ومكسيكيين “طهاة المخدرات” في أفريقيا، ليُعاد شحن المنتج النهائي نحو أسواق شرق وجنوب شرق آسيا، وأوروبا، وأوقيانوسيا.  
وتكشف البيانات الاستخباراتية أن من بين 12 مداهمة لمختبرات إفريقية مدعومة استخباراتياً من الولايات المتحدة، ضبطت 11 منها مواطنين مكسيكيين، ما يؤكد عمق الشراكة العابرة للقارات.
وتعكس عوائد هذه التجارة حجم الإغراء المالي؛ إذ إن كيلوجراماً من الميثامفيتامين المُنتج في أفريقيا بتكلفة لا تتجاوز 1,500 دولار، يمكن أن يباع بأسعار تجزئة تصل إلى 150  ألف دولار في شرق آسيا، وبما يتراوح بين 210 و350 ألف دولار في أسواق أستراليا ونيوزيلندا.