كيف غيّرت المسيّرات قواعد الحرب الحديثة؟
أعادت الطائرات المسيّرة رسم ملامح الحروب الحديثة، ليس فقط عبر تغيير أساليب القتال، وإنما أيضًا من خلال توسيع تأثير العمليات العسكرية إلى الحياة اليومية للمدنيين. فمع انتشار هذا السلاح منخفض الكلفة وواسع الاستخدام، لم تعد آثار النزاعات تقاس بالخسائر الميدانية وحدها، بل امتدت إلى إيجاد بيئة دائمة من الترقب والضغط النفسي في المدن الواقعة ضمن نطاق الصراعات. وتشير التطورات في أوكرانيا وقطاع غزة ولبنان إلى أن المسيّرات أصبحت عنصرًا ثابتًا في إدارة العمليات العسكرية، سواء في مهام الاستطلاع أو تنفيذ الهجمات؛ ما غيّر طبيعة التهديدات التي يواجهها السكان، حتى في مناطق لا تقع على خطوط المواجهة المباشرة. وبحسب تقرير نشرته وكالة «بلومبيرغ»، فإن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة لم يغيّر تكتيكات القتال فحسب، بل فرض واقعًا جديدًا على المدنيين، مع تحوّل أصوات التحليق وصفارات الإنذار إلى جزء من الحياة اليومية في عدد من مناطق النزاع.
المسيّرات توسّع
نطاق تأثير الحروب
أصبحت الطائرات المسيّرة إحدى أبرز أدوات الحروب الحديثة، مستفيدة من انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ والأسلحة التقليدية؛ ما يسمح باستخدامها بوتيرة مرتفعة وعلى مدار الساعة.
ولا يقتصر أثر هذا التطور على زيادة كثافة العمليات العسكرية، بل يمتد إلى توسيع نطاق تأثيرها في المناطق المدنية، مع تكرار التحليق وصفارات الإنذار والانفجارات، إلى جانب الضوضاء الناتجة عن أعمال الإنقاذ وتشغيل المولدات وإزالة الأنقاض. ويرى التقرير أن هذا التحول غيّر أيضًا جغرافية الحروب، بعدما امتدت آثارها إلى مدن لم تكن تُعد سابقًا ساحات قتال مباشرة؛ ما جعل التهديدات الأمنية أكثر انتشارًا وأقل ارتباطًا بخطوط المواجهة التقليدية.
أوكرانيا.. الإنذار
يتحول إلى جزء
من الحياة اليومية
في العاصمة الأوكرانية كييف، يوضّح الممثل الأوكراني ماكس تكاتشينكو أن صفارات الإنذار التي كانت تثير الذعر مع بداية الغزو الروسي عام 2022 أصبحت جزءًا من الروتين اليومي بعد سنوات من الحرب.
ويقول إن تكرار الإنذارات ليلًا أدّى إلى تحوّل الحرمان من النوم إلى ظاهرة مستمرة، بينما يعتمد كثير من السكان على قنوات «تيليغرام» لمتابعة مسار الهجمات وتقييم مستوى الخطر قبل اتخاذ قرار بالتوجه إلى الملاجئ.
ويشير إلى أن المسيّرات الروسية الانتحارية تصدر صوتًا يشبه محرك الدراجة النارية، إلا أن سكان وسط كييف باتوا يربطون الهجمات بصفارات الإنذار أكثر من صوت المسيّرات نفسها، نتيجة اعتراض معظمها قبل وصولها إلى أهدافها داخل المدينة.
لبنان.. التحليق المستمر يرفع مستوى التوتر
وفي بيروت، يقول مستشار الحوكمة والسياسات العامة عباس سباعي إن التحليق المستمر للطائرات الإسرائيلية خلق حالة دائمة من عدم اليقين، في ظل صعوبة التمييز بين المسيّرات المخصصة للاستطلاع وتلك القادرة على تنفيذ هجمات.
ويشير إلى أن المسيّرات كانت تحلق خلال فترات التصعيد لساعات متواصلة، بينما أصبح صوتها يرافق السكان في المنزل والعمل وأثناء التنقل؛ ما دفع بعضهم إلى استخدام سماعات عازلة للضوضاء أو تشغيل أصوات بديلة للتقليل من تأثيرها.
ويضيف أن استمرار التحليق انعكــس أيضًا على الحياة العامة، مع ارتفاع مستويات التوتر في الشوارع وزيادة مظاهر العصبية بين السكان أثناء مرور المسيّرات فوق المدينة.
اختلاف القدرات
يزيد صعوبة المواجهة
ويشير التقرير إلى أن السكان يميزون بين نوعين رئيسيين من المسيّرات، فالمسيّرات الانتحارية تُسمع بوضوح أثناء اقترابها، في حين تستطيع المسيّرات الأكبر والأعلى تحليقًا تنفيذ هجماتها من ارتفاعات تجعل رصدها سمعيًّا أكثر صعوبة.
ويقول محمد صلاح الدين، المحامي في مجموعة «محامو الطوارئ»، إن هذا التطوّر يقلل قدرة المدنيين على توقع الهجمات، مقارنة بالطائرات التقليدية التي تمنح أصوات محركاتها مؤشرًا مسبقًا على اقترابها، وهو ما يزيد حجم المخاطر على السكان والمنشآت المدنية.
غزة.. حضور
مستمر للمسيّرات
وفي قطاع غزة، تقول الكاتبة شهد النعوق، إن صوت الطائرات المسيّرة أصبح جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية منذ اندلاع الحرب، مع استمرار تحليقها لساعات طويلة.
وتشير إلى أن استمرار هذا التحليق يؤثر في القدرة على التركيز والتواصل داخل المنازل، فيما لم تعد فترات الهدوء مرتبطة بتوقف العمليات العسكرية، بل أصبحت محدودة وقصيرة مقارنة باستمرار وجود المسيّرات في الأجواء.
ويرى التقرير أن هذه الشهادات تعكس اتساع التأثير غير المباشر للطائرات المسيّرة، الذي لم يعد يقتصر على تنفيذ الضربات العسكرية، بل امتد إلى التأثير في الحياة اليومية للسكان داخل مناطق النزاع.
المسيّرات تعيد
تعريف تكلفة الحرب
يخلص تقرير «بلومبيرغ» إلى أن الانتشار المتزايد للطائرات المسيّرة يعكس تحولًا في طبيعة الحروب المعاصرة، إذ لم تعد هذه المنظومات مجرد أدوات قتالية منخفضة الكلفة، بل أصبحت وسيلة تفرض حضورًا دائمًا في المجال المدني، سواء عبر الاستطلاع أو الهجمات أو التأثير النفسي المصاحب لاستمرار تحليقها.
ويشير إلى أن الحروب الحديثة باتت تُقاس أيضًا بقدرتها على فرض حالة مستمرة من الاستنفار وعدم اليقين بين السكان، وهو تطوّر يجعل تأثير المسيّرات يتجاوز ساحات القتال ليصبح جزءًا من المشهد الأمني واليومي في مناطق النزاع.