كيف يحوّل المناخ موجات الحر إلى ثغرة في دفاعات الناتو؟

كيف يحوّل المناخ موجات الحر إلى ثغرة في دفاعات الناتو؟


«لو كنت في موسكو، لاخترت موجة حر شديدة لضرب شبكة الكهرباء في أوروبا الغربية».. بهذه العبارة تلخص إيرين سيكورسكي، مديرة مركز المناخ والأمن وأستاذة جامعة جورج ماسون، رؤيتها للعلاقة المتزايدة بين التغير المناخي والأمن.
ففي قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» التي عُقدت في أنقرة مطلع يوليو-تموز، غاب ملف التغير المناخي عن جدول الأعمال، في ظل حساسية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه القضية. 
لكن ســــيكورســكي، في مقابلة مع مجلة «لكسبريس» الفرنسية، حـــــذرت من أن ارتفـــــاع درجات الحرارة لم يعد مجرد تحد بيئي، بل بات عاملاً استراتيجياً يمكن أن يمنح خصوم الحلف، وفي مقدمتهـم روسيا، فرصاً جديدة لاستغلال نقاط ضعفه.

مدارج تتشقق.. 
وجيوش تتباطأ
وتستند سيكورسكي إلى وقائع ميدانية، مشيرة إلى أن القوات الجوية الملكية البريطانية اضطرت قبل 4 سنوات إلى تحويل طائراتها إلى مدارج بديلة، بعدما تسبب الحر الشديد في تشوه مدرج قاعدة «برايز نورتون». 
وتوضح أن ارتفاع درجات الحرارة يقلل قدرة الطائرات على حمل الأوزان والتحليق، في وقت لم تُصمم فيه كثير من المعدات العسكرية للعمل بصورة منتظمة في درجات حرارة تقترب من 40 درجة مئوية، ما يزيد احتمالات الأعطال ويرفع كلفة العمليات.
كما اضطرت بعض الوحدات العسكرية في دول البحر المتوسط إلى نقل تدريباتها إلى ساعات الليل هرباً من الحرارة، وهو ما يفرض تعديلات واسعة على أساليب العمل والاستجابة العسكرية.

«لو كنت في موسكو».. متى يكون أفضل وقت للهجوم؟
وترى سيكورسكي أن هذه الهشاشة المناخية لا تمر من دون انتباه الخصوم، قائلة: «لو كنت في موسكو وأفكر في أفضل وقت لضرب شبكة الكهرباء في أوروبا الغربية، لاخترت على الأرجح فترة تشهد موجة حر شديدة».
وتشير إلى أن فرنسا اضطرت خلال موجات الحر الأخيرة إلى خفض إنتاج عدد من المفاعلات النووية، لتجنب تصريف مياه ساخنة في أنهار ارتفعت حرارتها بالفعل، ما أدى إلى تقليص إنتاج الكهرباء في وقت يتزايد فيه الطلب عليها.
وتطــــرح الخبيـرة ســــؤالاً تعتبره جوهريــاً: كيف ستتقاسم الجيوش والمستشفيات والمجتمعات الطاقـــــة المتاحـة إذا تعرضت شبكة الكهرباء لهجوم خلال موجة حر شديدة؟
 الطقس ساحة جديدة للحرب الروسية
وتقدم سيكورسكي أمثلة على إمكانية استغلال موسكو للظروف المناخية. فبعد العاصفة «بوريس» التي ضربت بولندا وانشغال الجيش بعمليات الإغاثة، رصدت أجهزة الأمن السيبراني البولندية ارتفاعاً بنسبة 300% في حملات التضليل القادمة من روسيا وبيلاروسيا، والتي استهدفت تحميل الحكومة مسؤولية الفيضانات وتقويض الثقة بالمؤسسات الرسمية.
وتشير إلى أن الأسلوب نفسه ظهر في إسبانيا خلال الفيضانات، فيما تتحدث تقارير عن استخدام روسيا طائرات مسيّرة لإشعال حرائق في أوكرانيا، بالتزامن مع تحليل التوقعات الجوية لاختيار فترات الحر الشديد واستغلالها عسكرياً.
وبالنسبة إلى سيكورسكي، لم يعد الطقس مجرد ظرف طبيعي، بل أصبح نافذة عملياتية يمكن توظيفها سياسياً وعسكرياً.

قمة أنقرة.. المناخ الغائب
ورغم هذه المخاطر، غاب ملف المناخ عن قمة الناتو في أنقرة. وترجع سيكورسكي ذلك إلى حساسية إدارة ترامب تجاه مصطلح «التغير المناخي»، ما دفع الحلف إلى تجنب تناول القضية بصورة مباشرة.
لكنها تحذر من أن تجاهل المناخ في التخطيط العسكري قد يترك الناتو أمام أزمات لم يستعد لها، نتيجة عدم إجراء الدراسات والتقييمات اللازمة بشأن تأثيرات التغيرات المناخية على الجيوش والبنى التحتية.

البلقان.. الحلقة الأضعف
وعند سؤالها عن المناطق الأوروبية الأكثر عرضة للمخاطر، لا تشير سيكورسكي إلى الحدود مع روسيا، بل إلى منطقة البلقان، حيث تتداخل عضوية بعض الدول في الناتو والاتحاد الأوروبي مع بقاء دول أخرى خارجهما.
وترى أن وقوع كارثة مناخية كبيرة في المنطقة قد يثير خلافات بشأن توزيع الموارد والمساعدات، بما قد يعمق التوترات السياسية القائمة ويخلق بيئة أكثر هشاشة للنزاعات.

الطاقة النظيفة.. 
ميزة عسكرية
ولا تقتصر رؤية سيكورسكي على التحذير من المخاطر، إذ ترى أن الاستثمار في الطاقة النظيفة يمكن أن يمنح الجيوش مزايا عملياتية مباشرة.
فالمركبات الهجينة أكثر هدوءاً، وتصدر حرارة أقل يمكن رصدها، كما تحتاج إلى كميات أقــل من الوقود، ما يقلل عمليات الإمداد التي تسببت في خسائر بشرية كبيرة خلال حربي العراق وأفغانستان.
وترى أن التحول إلى هذه التقنيات لا يهدف فقط إلى مواجهة التغير المناخي، بل يمكن أن يسهم أيضاً في رفع كفاءة الجيوش وتعزيز قدرتها على تنفيذ العمليات بأمان أكبر.
وتخلص سيكورسكي إلى أن أخطر آثار التغير المناخي لا تكمن في ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل في الطريقة التي يمكن أن يستغل بها الخصوم هذا الواقع لإرباك الجيوش والبنى التحتية والمجتمعات.
وبينما تنفق دول الناتو مليارات الدولارات على إعادة التسلح، تحذر الخبيرة من أن هذه الاستثمارات قد تفقد جزءاً من قيمتها إذا ظلت الجيوش تعتمد على معدات وخطط صُممت لعالم مناخي لم يعد قائماً. وبحسب رؤيتها، قد تصبح متابعة خرائط الطقس بالنسبة إلى الكرملين جزءاً من التخطيط العسكري، تماماً كما هي خرائط الانتشار والعمليات.