لا سفر إلا بموافقة الجيش.. قانون جديد يثير غضب الألمـان
كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن حالة استياء تسود بين الألمان جراء تعديلات قانونية مفاجئة، مؤكدةً أن القانون الجديد يلزم الرجال دون سن الخامسة والأربعين باستصدار موافقة عسكرية مسبقة قبل مغادرة البلاد.
وتطبّق السلطات الألمانية هذا القيد الجديد على كل من يعتزم الإقامة خارج حدود الدولة لمدة تتجاوز 3 أشهر متواصلة، فيما بات لزاماً على ملايين المواطنين مراجعة مراكز التوظيف التابعة للجيش للحصول على إذن السفر، حتى في أوقات السلم.
وفي السياق ذاته، يهدف هذا التشريع المثير للجدل إلى تحديث هيكلية القوات المسلحة، وتعزيز جاهزيتها لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة. ودخلت هذه الإجراءات حيز التنفيذ الفعلي في يناير الماضي، لتشمل فئات عمرية واسعة تبدأ من سن السابعة عشرة.
ومن هذا المنطلق، يسعى وزير الدفاع بوريس بيستوريوس إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة تمكّن الدولة من الوصول إلى المجندين المحتملين، ويشمل ذلك إلزام الشباب في سن الثامنة عشرة بملء استبيانات تفصيلية لتقييم مدى أهليتهم للخدمة العسكرية.
بيد أن القلق الشعبي تصاعد بعد اكتشاف «النصوص الصغيرة» في القانون التي ظلت بعيدة عن الأضواء لأسابيع طويلة، إذ لم يدرك المواطنون حجم القيود المفروضة على حرية التنقل إلا بعد صدور تقارير إعلامية كشفت تفاصيل البند العسكري.
ويخشى الطلبة والباحثون عن عمل في الخارج من تعقيدات بيروقراطية قد تعطل مساراتهم المهنية والأكاديمية، فقد أصبحت الرحلات الدراسية أو سنوات التدريب الخارجي مرهونة بقرار إداري يصدر عن المؤسسة العسكرية الألمانية.
وبالنظر إلى مبررات الوزارة، فقد حاول المتحدث الرسمي باسم الدفاع تهدئة المخاوف عبر وصف الإجراء بالروتيني والتنظيمي. وأكد أن الهدف الأساس هو ضمان معرفة أماكن وجود المكلفين بالخدمة في حالات الطوارئ القصوى فقط.
وعلى الرغم من التطمينات الرسمية، إلا أن القانون يعيد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة التي شهدت قيوداً مشابهة. وتزعم الحكومة أن هذه اللوائح لا تتضمن عقوبات جنائية حالياً، طالما ظلت الخدمة العسكرية تعتمد على التطوع.
ومن ناحية أخرى، شهدت شوارع برلين احتجاجات طلابية غاضبة ترفض المساس بحرية الحركة والعودة التدريجية لنظام التجنيد. ورفع المتظاهرون شعارات تندد بتحويل جيل الشباب إلى أرقام في سجلات الاحتياط العسكري تحت ذرائع أمنية.
ولكن الحكومة برئاسة المستشار فريدريش ميرتس تصرّ على المضي قدماً في خطة طموحة لزيادة قوام الجيش الألماني. وتطمح برلين للوصول إلى نصف مليون جندي بحلول عام 2035 لمواجهة التهديدات الروسية المتنامية في القارة، وفق قولها.
ويرى مراقبون أن ألمانيا تخلت فعلياً عن سياسة التهدئة العسكرية التي انتهجتها لعدة عقود. إذ خصصت ميزانيات ضخمة تتجاوز 500 مليار يورو لتحديث ترسانتها الحربية، وتعزيز قدرات الردع التقليدية لديها.
إضافة إلى ذلك، تعكس هذه التحركات شكوكاً ألمانية عميقة حول مدى التزام واشنطن بأمن أوروبا في ظل رئاسة دونالد ترامب. فباتت برلين تؤمن بضرورة الاعتماد على ذاتها في بناء «أقوى جيش تقليدي» داخل القارة الأوروبية.
إلا أن الطريق نحو هذا الهدف يمر عبر إجراءات قانونية قاسية قد تؤدي إلى صدام مع الحريات المدنية والدستورية. فالتوفيق بين الجاهزية القتالية وحقوق المواطنة يشكل التحدي الأكبر لحكومة ميرتس في الوقت الراهن.
وبالمثل، تظل الشفافية الإدارية غائبة بشأن كيفية تقديم الطلبات والمدة الزمنية المستغرقة للحصول على موافقات السفر الطويل. ويفتح هذا الغموض الباب أمام تساؤلات قانونية حول دستورية تقييد حركة المواطنين في ظروف السلم.
ونتيجة لهذا التخبط، بدأت المعارضة السياسية في انتقاد «عسكرة المجتمع» والمطالبة بتوضيحات أكثر دقة حول استثناءات القانون، معتبرة أن المجتمع الألماني الذي اعتاد على الحرية المطلقة لا يتقبل بسهولة العودة إلى القيود العسكرية الصارمة.