لماذا تميل موازين القوة لصالح بوتين؟
في خضم الجهود الدبلوماسية المحمومة بين واشنطن وموسكو والعواصم الأوروبية، بدا واضحاً أنّ موازين القوة لا تزال تميل لمصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رغم كل الضغوط والعقوبات.
وتقول الباحثة الأمريكية د. جينيفر كافاناغ، في مقال تحليلي بموقع «Responsible Aircraft»، إنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خرج من قمة ألاسكا وواشنطن بخطاب غاضب، معلناً تجميد جهوده للتوصل إلى تسوية، بينما كان بوتين الرابح الأبرز حتى الآن، متقدماً بخطوات محسوبة على خصومه الغربيين.
بوتين.. الرابح الأكبر
وقالت د. جينيفر كافاناغ، مديرة قسم التحليل العسكري في منظمة «أولويات الدفاع» الأمريكية، إن بوتين تمكّن من تحقيق هدف محوري لطالما سعى إليه، وهو عقد لقاء ثنائي رفيع المستوى مع ترامب على أرض أمريكية، دون تقديم تنازلات كبيرة.
وأوضحت الباحثة أنّ الرئيس الروسي أفلت من العقوبات التي لوّح بها البيت الأبيض، وواصل الحرب في أوكرانيا، دون أن يدفع كلفة سياسية حقيقية.
وأضافت كافاناغ أنّ بوتين نجح في دفع ترامب للتخلي عن مطلب أوروبي أساسي، وهو وقف إطلاق النار غير المشروط، وانتزع قبولاً ضمنياً ببعض المطالب الإقليمية الروسية، مع بقاء القرار النهائي بيد كييف.
غير أنها تابعت مشيرةً إلى أنّ بوتين لم يحقق كل ما أراد، إذ غادر من دون اتفاقات كبرى في مجالات الطاقة أو القطب الشمالي أو الحد من التسلح.
ترامب.. مكاسب شكلية
وأوضحت الكاتبة أنّ مكاسب ترامب كانت محدودة، لكنها ليست معدومة. فقد ظهر أمام الإعلام العالمي بمظهر «صانع السلام»، وحصل على تغطية إعلامية واسعة.
والأهم، برأي الكاتبة، أن بوتين اعترف له بأن الحرب ما كانت لتندلع لو كان ترامب رئيساً منذ البداية، وهو ما يعزز روايته السياسية في الداخل الأمريكي.
وتابعت أن اللقاء منحه فرصة لتأجيل فرض العقوبات الاقتصادية، وهي إجراءات كان ترامب نفسه يشكك في جدواها. أما اجتماعه مع القادة الأوروبيين، فقد أسفر عن التزامات غامضة، ألقت بالعبء الأكبر على عاتق أوروبا في أي ترتيبات تخص أوكرانيا، وهو ما أتاح لترامب مساحة للمناورة وتجنّب التورط المباشر في الحرب.
أوروبا.. خيبة أمل واضحة
قالت الكاتبة إن الأوروبيين غادروا القمم الأخيرة بخيبة أمل كبيرة، بعدما فشلوا في الحصول على ضمانات أمريكية قوية، أو دعم عسكري حقيقي.
وأضافت أنّ اندفاعهم نحو واشنطن بدا دليلاً على ضعف نفوذهم العسكري والاقتصادي وافتقارهم إلى خطة واضحة لإنهاء الحرب.
وأوضحت أنّهم فشلوا في إعادة مطلب وقف إطلاق النار إلى طاولة الأولويات، كما لم ينجحوا في إقناع ترامب بالتراجع عن فكرة التنازلات الإقليمية. وحتى مقترحات نشر قوات أوروبية في أوكرانيا بدت غير واقعية، بسبب محدودية الموارد والانقسامات الداخلية.
أوكرانيا: الخاسر الأكبر
وأكدت كافاناغ أنّ أوكرانيا خرجت من هذه المعادلة بالخسارة الأكبر. فرغم أنها لم تُجبر على تقديم تنازلات عاجلة، إلا أنّ الطريق نحو الانضمام إلى الناتو ما زال بعيد المنال.
وأضافت أنّ ترامب لم يتردد في مطالبة كييف بإجراء انتخابات خلال الحرب، بل وألمح أحياناً إلى أنها تتحمل جزءاً من المسؤولية عن اندلاع الصراع.
وتابعت الباحثة أن أوكرانيا لم تحصل على ضمانات أمنية ملموسة أو مساعدات عسكرية كافية لتغيير مسار المعركة، بينما تتراجع قدراتها القتالية أمام التقدّم الروسي المتواصل في إقليم دونباس وغيره. وكلما طال أمد الحرب، تقول الكاتبة، زادت شروط التسوية قسوة على كييف.
معضلة الغرب..
وخيارات زيلينسكي
وأوضحت الكاتبة أن خطط أوروبا لنشر قوات للناتو في أوكرانيا تزيد المشهد تعقيداً، بعدما أعلنت موسكو أنها ستواصل القتال إذا نُفّذت تلك الخطط. وبذلك يجد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه محاصراً بخيارات محدودة، بينما يستفيد بوتين من دعم غربي ضعيف لا يكفي لردعه لكنه يضمن استمرار الحرب.
موازين اللعبة بيد بوتين
خلصت كافاناغ إلى أنّ موازين اللعبة لا تزال بيد بوتين، بينما يقف ترامب بين الرغبة في إظهار نفسه كصانع سلام والحرص على إرثه السياسي، أما أوروبا، فما زالت عالقة بين دعم إعلامي متكرر وغياب الفعل على الأرض. ومع الوقت، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار بلا أفق واضح، فيما يترسخ واقع أنّ بوتين يملك زمام المبادرة حتى إشعار آخر.