رئيس الدولة ونائباه يهنئون رئيسة المكسيك وحاكم عام بابوا غينيا الجديدة بذكرى استقلال بلديهما
معركة «سلطة القرار الخارجي».. كيف تعيد أوروبا رسم دبلوماسية الاتحاد؟
دفعت فرنسا وألمانيا، خلال الشهر الجاري، باتجاه إعادة هيكلة جهاز العمل الخارجي الأوروبي «EEAS» ومنح الممثل الأعلى للسياسة الخارجية موقعًا أكثر ارتباطًا بالمفوضية، بالتزامن مع تحرك 11 دولة لتوسيع استخدام الأغلبية المؤهلة في بعض ملفات السياسة الخارجية، وتقليص قدرة دولة منفردة على تعطيل المواقف المشتركة.
وشملت المجموعة: فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وهولندا، والسويد، وفنلندا، والدنمارك، وبلجيكا، والنمسا، ولوكسمبورغ، ورومانيا.
إصلاح أم تفكيك
وحملت اجتماعات وزراء الخارجية في ويكلو الإيرلندية، مطلع الشهر، الملف إلى مستوى سياسي أعلى، بعدما اقترحت برلين إعادة توزيع واسعة لوظائف الجهاز الدبلوماسي، وأبدت باريس ميلًا إلى صيغة تحافظ على دوره الإستراتيجي وتمنح الممثل الأعلى سلطة أكبر على الملفات الخارجية الموجودة، حاليًا، لدى مفوضي الاتحاد، في وقت تمسكت كايا كالاس، بإصلاح طريقة العمل المؤسسي بدل تفكيك الجهاز.
تدفع الخطة الفرنسية–الألمانية نحو توسيع اختصاصات كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، عبر منحها دورًا أوسع في ملفات التنمية والجوار والمساعدات الخارجية، بالتزامن مع نقل أجزاء من وظائف جهاز العمل الخارجي الأوروبي إلى هيكل المفوضية، وهو ما يوسع نطاق مسؤولياتها، ويزيد ارتباط موقعها المؤسسي برئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين.
تتمسك كالاس بصيغة تمنح جهاز العمل الخارجي نفسه وزنًا أكبر في صنع السياسة الخارجية، وتحد من تداخل الهياكل التابعة للمفوضية في الملفات الدولية، إذ ترى أن توسيع اختصاصاتها يفقد جزءًا من أثره إذا جاء ضمن بنية تعزز سلطة المفوضية على الجهاز الدبلوماسي، وتقلص استقلاله المؤسسي.
تقليص الفجوة
وبحسب ما ذكره مصدر دبلوماسي فرنسي مطلع، لـ»إرم نيوز»، فإن باريس تركز في المرحلة الحالية على نقل قدر أكبر من التنسيق السياسي إلى مكتب الممثل الأعلى، مع ربط ملفات المساعدات الخارجية، والعقوبات، والشراكات الدولية، والتعامل مع الأزمات، بآلية قيادة موحدة تستطيع توجيه المؤسسات التي تنفذ هذه السياسات.
وتفيد المعلومات بأن المقترحات الفرنسية المطروحة خلال الاتصالات الأخيرة تعطي الأولوية لإعادة تحديد العلاقة مع المفوضية قبل تعديل البنية البشرية للجهاز، وتستهدف تقليص الفجوة التي تسمح للمفوضين بإدارة أدوات خارجية كبيرة بعيدًا عن التسلسل السياسي للممثل الأعلى، خاصة في المساعدات، والعلاقات الاقتصادية، وبرامج الجوار.
كما تشمل الصيغة التي تدعمها باريس توسيع قدرة الممثل الأعلى على جمع مواقف الدول قبل القمم والقرارات الحساسة، مع استخدام الاستثناءات الموجودة أصلًا في المعاهدات لتسهيل تمرير بعض المواقف بالأغلبية المؤهلة، وهي خطوة ترتبط مباشرة بالمبادرة التي قدمتها 11 دولة خلال الشهر الحالي.
في حين يعكس هذا المسار محاولة لمعالجة مشكلة أعمق في السياسة الخارجية الأوروبية، إذ تمتلك المفوضية المال والأدوات الاقتصادية، ويملك المجلس القرار السياسي، ويتولّى جهاز العمل الخارجي جانبًا من التنفيذ الدبلوماسي، ما ينتج مراكز متعددة لصياغة الموقف في الأزمات الكبرى، ويمنح الحكومات الوطنية قدرة واسعة على إعادة ضبط القرار في مراحله الأخيرة.
شرط الجسر
ويمنح ملف التصويت الإصلاح المؤسسي بعدًا يتجاوز إعادة تنظيم جهاز دبلوماسي، لأن التحرك الحالي يستهدف آلية القرار نفسها.
وتسمح المادة 31 من معاهدة الاتحاد باستخدام ما يعرف بـ»شرط الجسر» للانتقال في بعض الحالات إلى الأغلبية المؤهلة، مع حاجة تفعيل هذا المسار إلى موافقة الدول الأعضاء بالإجماع، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة ببناء توافق سياسي واسع قبل أي تغيير فعلي.
ويرى الدبلوماسي السابق الذي عمل في التخطيط والسياسات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تيم نوفر، أن المشكلة العملية تبدأ من تعدد مراكز إعداد القرار الخارجي، إذ تعمل وحدات جهاز العمل الخارجي، والمفوضية، وممثليات الدول، على الملفات نفسها بدرجات متفاوتة من السلطة، ما يبطئ تحويل التوجه السياسي إلى قرار قابل للتنفيذ. وأوضح نوفر، خلال حديثه لـ»إرم نيوز»، أن منح الممثل الأعلى قدرة أكبر على تنسيق المفوضين المعنيين بالشؤون الخارجية يمكن أن يقلص التداخل في ملفات العقوبات، والمساعدات، والاستجابة للأزمات، كما أن توسيع التصويت بالأغلبية في نطاقات محددة سيغير طريقة تفاوض الدول مع بروكسل قبل الوصول إلى القرار النهائي. ويكشف جمع إصلاح الجهاز مع تقييد الفيتو عن اتجاه يسعى إلى نقل جزء من السياسة الخارجية الأوروبية من منطق التنسيق الدبلوماسي التقليدي إلى بنية أقرب لصنع سياسة مشتركة، وهو تحول سيزيد ثقل مؤسسات بروكسل، ويخفض قدرة العواصم المنفردة على تعطيل ملفات تحظى بتأييد أغلبية واسعة.
اختبار قدرة الاتحاد
من جانب آخر، تظهر حدود المشروع في موقف الدول التي امتنعت عن الانضمام إلى مبادرة الدول الـ11، خاصة دول البلطيق، إذ تنظر حكومات أصغر إلى حق الاعتراض كضمانة أخيرة لحماية مصالحها أمام القوى الأكبر، وهو ما يجعل إصلاح التصويت أكثر حساسية من إعادة توزيع الوظائف المؤسسية.
ويعتبر الخبير في السياسات الأوروبية، إنريكي سيربيتو، أن فرنسا وألمانيا تحاولان استثمار نافذة سياسية تسمح بإصلاح السياسة الخارجية قبل دورة انتخابية أوروبية أكثر صعوبة، مع اقتراب الانتخابات الفرنسية، في 2027، واستمرار ملفات أوكرانيا، والشرق الأوسط، والعقوبات، في اختبار قدرة الاتحاد على إصدار مواقف موحدة.
ويقدّر سيربيتو، خلال حديثه لـ»إرم نيوز»، أن نجاح المسار سيعتمد على تقديم ضمانات للدول الصغيرة بشأن القضايا السيادية الحساسة، لأن توسيع سلطة الممثل الأعلى والأغلبية المؤهلة سيعيد تحديد وزن الحكومات الوطنية في السياسة الخارجية للاتحاد، وسيجعل بروكسل أكثر قدرة على إنتاج قرارات سريعة خلال الأزمات المقبلة.