رئيس الدولة ونائباه يهنئون سلطان عمان بذكرى توليه مقاليد الحكم
من «الإجراءات القوية» إلى الاستراتيجية الموحدة.. انقسام أوروبي حاد تجاه بكين
في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة مرتبطة بالصين، يكشف عام 2026 عن انقسام واضح داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع بكين. وتقود فرنسا تيار التشدد والدعوة إلى أدوات ردع تجارية وسياسية صارمة، بينما تميل ألمانيا إلى نهج أكثر حذراً وتوازناً، ما يترك الاتحاد الأوروبي دون استراتيجية موحدة في مواجهة القوة الآسيوية الصاعدة.
فرنسا.. إجراءات قوية
في خطوة تصعيدية لافتة، حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في شهر كانون الأول-ديسمبر 2025 من أن الاتحاد الأوروبي قد يضطر إلى اتخاذ «إجراءات قوية» ضد الصين، بما في ذلك فرض تعريفات جمركية عقابية شبيهة بالسياسة الأمريكية، إذا لم تعالج بكين الاختلالات التجارية المتنامية.
وذكر في تصريحات لصحيفة «ليزيكو» الفرنسية عقب زيارته للصين، أن الفائض التجاري الصيني «غير مستدام» لأنه «يقتل زبائنه»، مضيفاً أن أوروبا قد تضطر خلال الأشهر التالية إلى إنهاء أنماط التعاون الحالية وفرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية إذا لم تستجب بكين.
يعكس خطاب ماكرون تحولاً واضحاً في السياسة الفرنسية، حيث باتت باريس من أكثر الداعمين داخل الاتحاد الأوروبي لتبني موقف حازم تجاه الصين، انسجاماً مع رؤيتها لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وإعادة التصنيع داخل القارة.
باريس في موقع القيادة
ويُظهر تقرير معهد ميريكس الألماني لعام 2025 أن فرنسا دعمت باستمرار تفعيل أدوات الدفاع التجاري الأوروبية، بما في ذلك قيود المشتريات العامة، وآليات مكافحة الدعم والإكراه، وتحقيقات مكافحة الإغراق، إلى جانب تجديد استراتيجية الأمن الاقتصادي للاتحاد الأوروبي. وعلى المستوى الوطني، قامت باريس بتحديث لوائح مراقبة الصادرات في شهر آذار-مارس 2025، كما راجعت استراتيجياتها للأمن القومي ومنطقة المحيطين الهندي والهادي في شهر تموز-يوليو من العام ذاته، غير أن القيود المالية تظل عاملاً ضاغطاً، إذ تسعى الحكومة الفرنسية إلى خفض الإنفاق العام بنحو 40 مليار يورو خلال 2026.
ويرى مارك جوليان، خبير شؤون الصين في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن ماكرون كثّف ضغوطه على بكين لكبح دعمها لروسيا، واستخدام نفوذها لدفع تسوية سياسية، محذراً من أن استمرار هذا الدعم قد يؤدي إلى ردود فعل أوسع من حلفاء أوروبا.
ألمانيا.. «توازن حذر»
وعلى النقيض من النهج الفرنسي، تتبنى ألمانيا بقيادة المستشار الجديد فريدريش ميرتس مقاربة أكثر توازناً، فقد اقتربت برلين من أجندة الاتحاد الأوروبي القائمة على «تقليل المخاطر»، متخلية عن توصيف الصين كشريك، ومؤكدة بدلاً من ذلك على منطق المنافسة والتنافس.
مع ذلك، تشير تقارير إلى أن ضغوط الشركات والمقاومة داخل الأوساط الاقتصادية الألمانية حدّت من سرعة هذا التحول.
ويوضح نويل شينك من معهد رودم جروب أن ميرتس وصف الصين، إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية وإيران، بأنها جزء من «محور الأنظمة الاستبدادية»، محذراً الشركات الألمانية من المخاطر الكبيرة المرتبطة بالاستثمار في السوق الصينية.
انقسامات برلين الداخلية
وأشار نوح باركين من مؤسسة مارشال الألمانية، إلى غياب الإجماع داخل الحكومة الألمانية، مؤكداً أن «الشهية لاتخاذ إجراءات شاملة لمعالجة التهديدات الاقتصادية الصينية لم تنضج بعد».
ووفقاً لمسؤولين ألمان، تعمل الحكومة حالياً على إعداد خطة عمل تجاه الصين تركز بنسبة تقارب 70% على الأمن الاقتصادي وتقليل المخاطر.
ورغم إدراك بعض دوائر صنع القرار في برلين لحجم التحدي، تبقى القيادة الألمانية عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه السياسة الأوروبية، خاصة في ظل الدور المحوري الذي تلعبه ألمانيا داخل الاتحاد.
الاتحاد الأوروبي.. أزمة مصداقية
ويحذر محللون من أن عام 2026 قد يكون فاصلاً في تحديد مسار أوروبا تجاه الصين، فبحسب مجلة «تشاينا أوبزرفرز»، تمتلك أوروبا نافذة زمنية محدودة لإثبات جديتها، في ظل مشكلة مصداقية تعانيها بروكسل أمام بكين نتيجة التردد والانقسام الداخلي.
وتتصاعد التوترات التجارية مع شروع الاتحاد الأوروبي في تطبيق إجراءات جديدة، من بينها فرض رسم جمركي ثابت بقيمة 3 يورو على الطرود الإلكترونية منخفضة القيمة اعتباراً من يوليو 2026، في محاولة للحد من تدفق الواردات الرخيصة القادمة أساساً من الصين.
تناغم ظاهري
تبدو رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي ماكرون على نبرة متقاربة، إذ يؤكدان الحاجة العاجلة لإعادة توازن العلاقات مع الصين وتعزيز التنافسية الأوروبية.
غير أن مراقبين يشيرون إلى أن مستقبل السياسة الأوروبية تجاه بكين سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بالموقف الألماني.
ولا يقتصر الانقسام الأوروبي على فرنسا وألمانيا فقط، إذ تمثل المجر مثالاً واضحاً على مسار مغاير، بعدما عمّقت علاقاتها الاقتصادية مع الصين، خصوصاً في قطاعي السيارات الكهربائية والبطاريات.
ويضعف ذلك أدوات الاتحاد الأوروبي لتقليل المخاطر، ويفتح الباب أمام التفاف صيني محتمل على القيود الأوروبية.
تحديات هيكلية
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن تباطؤ الاقتصاد الصيني المتوقع في 2026، إلى جانب تصاعد الحمائية العالمية، قد يفاقم حدة التوترات التجارية.
كما تشير تقارير بحثية إلى أن الممارسات التجارية الصينية، من دعم حكومي ونقل تكنولوجيا وإكراه اقتصادي، ما زالت تلقي بظلال سلبية على اقتصادات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وفي مواجهة الصين، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام خيار حاسم، إما تجاوز الانقسامات الداخلية وصياغة استراتيجية موحدة، أو الاستمرار في التردد بين التشدد الفرنسي والحذر الألماني والانتهازية لدى بعض الدول الأعضاء.
وعام 2026 قد يكون نقطة التحول، إذ إن غياب قيادة أوروبية متماسكة، ولا سيما من جانب ألمانيا، يمنح بكين فرصة لمواصلة استغلال الانقسامات، ما يضعف موقع أوروبا في المنافسة الجيوسياسية العالمية ويقوّض طموحها في لعب دور فاعل على الساحة الدولية.