من أفيرون إلى الإليزيه.. أتال يطلق حملته الرئاسية هربًا من ظل ماكرون

من أفيرون إلى الإليزيه.. أتال يطلق حملته الرئاسية هربًا من ظل ماكرون

في قرية «مور دو باريه» الأفيرونية، التي لا يتجاوز عدد سكانها 700 نسمة، وقف غابرييل أتال، البالغ من العمر 37 عاماً، أمام واجهة حجرية قديمة وراية فرنسية ضخمة خلفه، ليقول ما كان يعلمه الجميع: « لأنني أحب فرنسا والفرنسيين بعمق قررت أن أكون مرشحاً لرئاسة الجمهورية». واختيار المكان لم يكن صدفة، فالرجل الذي ترعرع في الدائرة السادسة الباريسية الراقية، تعلّم في «المدرسة الألزاسية» النخبوية، وتخرج من سيانس بو، قرر إطلاق حملته الرئاسية على بُعد 600 كيلومتر من العاصمة باريس برسالة كل حرف فيها واضح مفادها «أتال يريد أن يكون «أنتي-ماكرون» القادم من داخل معسكر الرئيس».

التوقيت والمكان
وكشفت مجلة»لو بوان» أن اختيار أفيرون «تم بعناية فائقة»، وأن الفريق كان يتردد حتى اللحظة الأخيرة بين الإعلان في مهرجان للماشية في قرية مجاورة «ورُفض لأنه سيبدو «مستوردا» تماماً» وبين القرية التي اختيرت في نهاية المطاف. والمُلهم الأكبر لهذا الخيار هو جاك شيراك العام 2002، حين أعلن ترشحه خلال جولة ميدانية في أفينيون، كما أن الأمر يُذكّر بأحد أبرز لقطات أتال في ماتينيون، حين توجه شخصياً، في الـ26 من شهر كانون الثاني-يناير 2024، لإطفاء جذوة الاحتجاج الفلاحي على الطريق السريع «A64»، أجواء القش والنبيذ الأحمر التي استقطبت الأضواء وأربكت الإليزيه.
 «الطابع الباريسي»
ولا يتردد مساعدو أتال في وصف الهدف الحقيقي لـ»لوموند»، المتمثل في أن «التحدي هو كسر صورة حزب ماكرون على أنه حضري جداً، وغير متجذر في فرنسا الحقيقية».
لكن هذا التأطير لا يخلو من سخرية لاذعة من المنافسين، حيث يقول أرنو بيريكار، المتحدث باسم حزب «هوريزون» لـ»لوموند»: «الرياء ليس له حدود! لا يمكن اختراع جذور محلية، يجب بناؤها».
ويعلّق نائب يساري يعرف أتال عن قرب لـ»لو بوان»: «ما يميّز أتال هو افتتانه بكل ما يبدو حديثاً. هذا الإعلان هو لتجذيره، رغم أنه ليس متجذراً أصلاً».

«الضغط الكامل»
يُوضح مقربو أتال الفلسفة الانتخابية، وهي أن «غابرييل سيأخذ مخاطر. بمجرد تشغيل الآلة، ستكون قدم على الدواسة ولن نتوقف! إنها الإستراتيجية المعاكسة لإدوارد فيليب»، رئيس الوزراء السابق الآخر الذي يُعتبر المرشح الأوفر حظاً لتمثيل كتلة الوسط واليمين، ويعلّق آخر من فريق أتال: «ماذا نريد لعام 2027؟ طبيباً مُخدّراً أم طبيب طوارئ؟». وتُوضح «لوموند» أن الرجلَين اتفقا على لقاء، قبل شهر-فبراير 2027، للتنسيق، وتجنّب المواجهة المدمّرة مع اليمين المتطرف واليسار الراديكالي. لكن كل طرف يأمل أن يُضطر الآخر للانسحاب أولاً. ويرى مؤيدو أتال في هذه المواجهة مقارنة بانتخابات 1995: «أتال كشيراك الخاسر أمام إدوار بالادور المفضل»، أي أن المفضل في الاستطلاعات لا يعني الفائز.
 انشقاقات داخلية
وترصد «لوموند» ما هو أكثر من مجرد منافسة مع فيليب، وهو غياب شخصيات بارزة من «رونيسانس» عن تأييد أتال يُثير التساؤلات. 
إليزابيت بورن، سلفه في رئاسة الوزراء، تركت إدارة الحزب في الـ6 من شهر أيار-مايو «في خضم خلافات إستراتيجية»، ولن تحضر تجمعه الكبير في الـ30 من ذات الشهر الجاري.
 كذلك رئيسة الجمعية الوطنية ياييل براون-بيفيه ووزيرة المساواة أورور بيرجيه قرّرتا الغياب، تقول بورن في جلسة خاصة نقلتها «لوموند»: « الحملة تُكسب على وسائل التواصل وبالمقترحات الراديكالية».
ماكرون
وتُرصد «لو بوان» ملاحظة صادرة من الإليزيه نفسه: «أتال هو من يريدها أكثر. لديه فريق مُنظّم جداً». رغم ذلك، يبقى التحدي جوهرياً، إقناع ناخبي الوسط واليمين المعتدل، الكثيرون منهم يريدون فيليب، لأن أتال شبيه ماكرون في ملفه وأسلوبه يمكن أن يفوز بعد  10 سنوات من الماكرونية.
غابرييل أتال يُراهن على أن الشباب، والجرأة، وسرعة التحرك، سلاح لا يُقاوَم. المشكلة التي ترصدها «لو بوان» و»لوموند» في آنٍ واحد: كونك وريث نظام بعد عقد من حكمه ومحاولة تقديم نفسك بديلاً عنه، معادلة لم تنجح تاريخياً إلا في ظروف استثنائية.