رئيس الدولة يصدر قراراً بإنشاء البرنامج الوطني للعلوم والتقنيات المتقدمة
من الدفاع الجماعي إلى الحماية المشروطة.. هل تخلت واشنطن عن حلفائها في الناتو؟
تدفع واشنطن حلف شمال الأطلسي «الناتو» نحو صيغة أكثر تشددًا في توزيع أعباء الدفاع، بعدما وسعت مراجعة البنتاغون للانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا لتشمل مستوى تعاون كل دولة مع السياسة الأمريكية، إلى جانب الإنفاق الدفاعي وإتاحة القواعد والمجال الجوي ودعم العمليات العسكرية.
ويضع هذا المسار العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها أمام تحول يتجاوز الخلاف التقليدي حول حجم المساهمات المالية إلى سؤال أوسع يتعلق بدرجة الالتزام الأمريكي العملي تجاه كل دولة عضو.
ويعمل البنتاغون على إعداد أربعة خيارات على الأقل لمستقبل نحو 80 ألف عسكري أمريكي في أوروبا لعرضها على وزير الدفاع بيت هيغسيث بحلول السادس من تشرين الثاني-نوفمبر.
وأرسلت واشنطن إلى الحلفاء استبيانًا يتناول الإنفاق والمساهمات العسكرية والقيود على استخدام القوات الأمريكية ومدى دعم السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وسط مخاوف أوروبية من أن تؤثر هذه المعايير في قرارات الانتشار ومستوى الحضور العسكري الأمريكي من دولة إلى أخرى.
المادة الخامسة تحت
ضغط الحسابات الأمريكية
تكتسب هذه المراجعة حساسيتها من ارتباطها مباشرة بفكرة الدفاع الجماعي التي يقوم عليها الناتو. وتنص المادة الخامسة من معاهدة الحلف على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يُعد هجومًا على بقية الأعضاء، بما يفتح الطريق أمام تدخل جماعي لمساندة الدولة المستهدفة.
ومنذ تأسيس الحلف عام 1949، ارتبطت قوة هذه المادة بدرجة كبيرة بوجود عسكري أمريكي واسع في أوروبا وباقتناع الخصوم بأن واشنطن ستتعامل مع الاعتداء على أي حليف باعتباره اختبارًا للحلف بأكمله.
ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ القلق الأوروبي الحالي، لأن إدخال معايير سياسية وعسكرية مختلفة على توزيع القوات الأمريكية يمكن أن يجعل مستوى الحماية الفعلية متفاوتًا بين أعضاء يشملهم النص نفسه، ويمنح العلاقة الثنائية مع واشنطن وزنًا أكبر في تحديد طبيعة الردع المتاح لكل دولة. ويرى فابريس بوثيه، المدير السابق للتخطيط السياسي في الناتو، أن التحول الأمريكي الحالي يختلف عن الضغوط التقليدية التي مارستها واشنطن لرفع الإنفاق الأوروبي، لأن النقاش بات يتصل أيضًا بكيفية استخدام القوة الأمريكية ومكان انتشارها وبمدى استعداد الدول الأوروبية لمساندة الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة خارج القارة.
ويشير بوثيه خلال حديثه لـ»إرم نيوز» إلى أن قوة المادة الخامسة اعتمدت تاريخيًا على اقتناع الخصوم بأن الولايات المتحدة ستتعامل مع أي اعتداء على عضو في الحلف باعتباره قضية تخص المنظومة كلها. وإدخال معايير سياسية إضافية على توزيع القوات والقدرات يمكن أن يخلق تفاوتًا عمليًا بين دول تتمتع جميعها بالضمان القانوني نفسه.
ويعتبر أن المشكلة الأكبر ستبدأ إذا وجدت العواصم الأوروبية نفسها مطالبة بإثبات قربها من واشنطن بصورة منفردة للحفاظ على مستوى مرتفع من الحضور العسكري الأمريكي. ويمكن لهذا المسار أن يدفع بعض الدول إلى إعطاء الأولوية للعلاقة الثنائية مع الإدارة الأمريكية على حساب بناء موقف أوروبي مشترك بشأن الانتشار والدفاع والتعامل مع روسيا.
ويرى بوثيه أن أوروبا تستطيع تقليل أثر هذا التحول عبر تسريع قدرتها على إدارة جزء أكبر من الدفاع عن القارة، خصوصًا في القوات البرية والدفاع الجوي والذخائر والقيادة واللوجستيات. وتبقى القدرات الأمريكية في الاستخبارات والإنذار المبكر والنقل الاستراتيجي والردع النووي عناصر يصعب استبدالها سريعًا، وهو ما يمنح قرارات واشنطن وزنًا كبيرًا حتى مع ارتفاع الإنفاق الأوروبي. وكان الناتو قد أعاد خلال قممه الأخيرة التأكيد على المادة الخامسة وعلى هدف رفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5 % من الناتج المحلي بحلول 2035، بينما تضغط واشنطن لإنجاز انتقال أسرع نحو دفاع أوروبي تقوده دول القارة. وأبلغ مسؤول السياسات في البنتاغون إلبريدج كولبي سفراء الحلف هذا الأسبوع أن المراجعة الأمريكية تهدف إلى تمكين الأوروبيين من تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.
وتأتي المراجعة بعد خطوات أمريكية بدأت بالفعل في ألمانيا، حيث أعلن الناتو في أيار-مايو أنه يتابع تفاصيل خفض مقرر للقوات الأمريكية، ما منح المخاوف الأوروبية أساسًا عمليًا يتجاوز تصريحات إدارة ترامب حول تقاسم الأعباء.
روسيا تبحث عن نقاط الضعف
يتزامن التغيير الأمريكي مع ارتفاع الحساسية الأمنية على الجناح الشرقي. وأعلنت السويد في 28 آب-أغسطس إرسال مقاتلات «غريبن» وسفينة حربية إلى فنلندا لدعم مراقبة أراضيها، فيما تتوسع إجراءات مواجهة الطائرات المسيّرة وحماية البنية التحتية في دول البلطيق وبولندا.
وزاد ملف روسيا حساسية بعدما ناقش مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف خلال زيارة إلى موسكو احتمالات عمليات روسية ضد دول في الناتو، وفق مصادر تحدثت لـ»رويترز»، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترامب أنه لا يتوقع أن يهاجم فلاديمير بوتين أراضي الحلف.
ويرى مايكل أوهيرلي، الخبير في العلاقات الدولية والاستراتيجية، أن موسكو لا تحتاج إلى خوض مواجهة واسعة كي تختبر مصداقية الناتو، إذ يمكن أن تستخدم عمليات تخريب وهجمات إلكترونية وطائرات مسيّرة وضغوطًا محدودة على الحدود لقياس سرعة القرار ومدى استعداد الولايات المتحدة والدول الأوروبية للرد بصورة موحدة.
ويعتبر أوهيرلي في حديثه لـ»إرم نيوز» أن أي تفاوت معلن أو مفهوم في مستوى الضمانات الأمريكية سيمنح روسيا فرصة لمحاولة الفصل بين الدول الأكثر ارتباطًا بواشنطن والدول التي تبدو علاقتها بالإدارة الأمريكية أكثر توترًا. ولهذا يصبح الحفاظ على وضوح الرد المشترك عنصرًا أساسيًا في الردع، حتى مع انتقال جزء أكبر من العبء العسكري إلى الأوروبيين.