من برلين إلى طوكيو وبرن.. حلفاء واشنطن يعلنون العصيان ضد ترامب

من برلين إلى طوكيو وبرن.. حلفاء واشنطن يعلنون العصيان ضد ترامب


لم تكن الخريطة الجيوسياسية للغرب تبدو هكذا قبل الـ28 من فبراير الماضي، حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران دون إخطار مسبق لحلفائهما.
بدأت العواصم من برلين إلى طوكيو ومن مدريد إلى برن تُعيد رسم حدود التزاماتها بصوت مسموع؛ فالحرب على  إيران لم تكشف عن شرخٍ في صميم التحالف الغربي فحسب، بل عجّلت بما ظل سنوات طويلة تمردًا صامتًا تحت السطح.

برلين تقود الرفض
كان وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الأكثر صراحةً، قال للصحفيين: «هذه ليست حربنا، نحن لم نبدأها»، وأضاف المتحدث باسم المستشار فريدريش ميرتس، ستيفان كورنيليوس، أن الصراع «لا علاقة له بالناتو»، مشيرًا إلى أن «الناتو تحالف للدفاع عن الأراضي، والتفويض اللازم لنشر الناتو غير متوافر في الوضع الراهن».
وتبعت ذلك إسبانيا التي كانت الأكثر حدةً؛ إذ قالت وزيرة دفاعها مارغريتا روبلس إن مدريد «بالتأكيد لن» تفكر في أي مشاركة عسكرية، أمّا إيطاليا، واليونان، وبولندا، والسويد، فأعلنت جميعها عدم نيتها إرسال سفن حربية.

برن تُغلق سماءها.. جزئيًا
لكن المشهد اللافت هو ما نشرته صحيفة «لا ديبيش دو ميدي» الفرنسية، تجاه الحكومة السويسرية التي كشفت عن نموذج آخر تمامًا للرفض: ليس بالمواقف السياسية، بل بقرارات سيادية صارمة. 
فقد بتّ المجلس الفيدرالي السويسري في عدة طلبات أمريكية لتحليق طائرات عسكرية فوق الأراضي السويسرية؛ حيث رفض اثنين منها يخصان طائرات استطلاع مرتبطة بالحرب على إيران، بينما أجاز 3 رحلات أخرى ذات طابع لوجستي وصيانة. 
واستند المجلس الفيدرالي في قراره إلى قانون الحياد، مؤكدًا أنه يفحص كل طلب بعين ثاقبة، عبر تنسيق بين وزارات الخارجية، والدفاع، والاقتصاد، وهيئة الطيران المدني. 
ووضع المجلس معايير مستقبلية واضحة: كل رحلة غير مرتبطة بشكل جلي بالنزاع ستُجاز، أمّا تلك التي قد تدعم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط فستخضع لترخيص فردي، كما أن الرحلات الإنسانية والطبية مكفولة دائمًا.

لندن بين ترامب والرأي العام
وفي لندن، وجد رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه في موقف بالغ الدقة؛ فرغم تراجعه والسماح للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام قواعد بلاده بعد الرفض، فإنه أكد بوضوح أن أي مهمة في هرمز «لم تكن ولن تكون مهمة للناتو»، مشددًا على أن بريطانيا «لن تُسحب إلى الحرب الأشمل». 
وأشارت «إن بي سي نيوز» إلى أن ستارمر تعرض لانتقادات ترامب لعدم مشاركته في الضربات الأولى، وأن واشنطن أبدت «استغرابها الشديد» من تحفظ حليفتها «الأقدم».

طوكيو وكانبيرا.. الدستور والقانون ذريعتان
في آسيا جاءت المواقف بنفس الوضوح، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي  تاكايتشي أمام البرلمان أن بلادها المقيدة بدستورها النابذ للحرب «لم تتخذ أي قرار بإرسال سفن مرافقة لمضيق هرمز»، مؤكدةً أنها تدرس «ما يمكن لليابان فعله في إطار قانوني»، ومن كانبيرا، قالت وزيرة النقل الأسترالية كاثرين كينغ لإذاعة «إيه بي سي»: لسنا بصدد إرسال سفن إلى مضيق هرمز. يرصد مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) في تقرير للباحث هنري باركي أن «سرعة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية وحجمها باغتا معظم الحكومات الأوروبية؛ إذ أطلقت الولايات المتحدة عمليتها الكبرى دون أي تشاور يُذكر مع حلفائها عبر الأطلسي»، مما أفضى، بحسب باركي، إلى استجابة أوروبية «مبعثرة بشكل لافت».
أمّا المحللة رودجر شاناهان المتخصصة في أمن الشرق الأوسط، فقد أوضحت أن معظم حلفاء واشنطن «عارضوا هذه الحرب منذ البداية؛ ما يجعلهم أقل ميلًا لدعمها».
ورغم تحذير ترامب في مقابلة مع «فايننشال تايمز» من أن تقاعس حلفاء الناتو سيكون «سيئًا جدًا على مستقبل الحلف»، لاحظت صحيفة «ذا إيكونوميست» أن إدارة ترامب لم تتوقع إغلاق مضيق هرمز فجأة، في مثال آخر على قصر نظر إدارة ترامب هذه الحرب.