من عالم النفط و البنوك الى عالم الكلمة الصادقة المسؤولة : عم عبيد ...رحل القلب الكبير ...

لوكان لي أن أخْتزِلَ فترة إقامتي طوال ثماني سنواتٍ بأبوظبي و أضعُ علامةً لها لقلت : صحيفةُ الفجر ،و لو أحببت أن أختزل صحيفة الفجر لما ترددت لحظة في الإجابة :عبيد المزروعي .و لو أشرت إلى بيت وضعت فيه رأسي باطمئنان واحتَضَنْني كطفلةٍ صغيرةٍ و بَدَدَ غُربتي لكان ذلك البيتُ بيت أم أحمد و ابنتيها عائشة و أمل عبيد المزروعي .
لقد عملت بأبوظبي، بشكل متوازٍ ، في مجالات عدة من مجالات الإعلام المكتوب و المسموع  بالإضافة  الى تدريس الفرنسية و التوجيه التربوي و الإعلامي و مراسلة صحف عربية لكنني لم أشعر بأمان «الوافدة» و بالراحة النفسية مثلما شعرت بجريدة الفجر سواء عندما كانت مجرد مكاتب معدودة في مبنى من مباني شارع ألكترا  تصدر أسبوعيا و تطبع بالكويت و أزورها كزميلة أو عندما انتقلت مكاتبها إلى ذلك المبنى الفخم بشارع المطار (المرور) و أصبح لها مطابع مستقلة من أحدث ما أنتجته صناعة الطباعة في ألمانيا و أصبح لي موقع خاص فيها.
لم تكن صحيفة الفجر محطةً عابرةً بالنسية لي ، أو من الباحثين عن تجارب جديدة أو فقط عن لقمة عيش تكفل له حياة كريمة . كان هؤلاء  يمرون بجريدة الفجر لأن عبيد المزروعي مؤسس الجريدة ورئيس تحريرها ومديرها العام لم يكن يرفض طلب أي صحفي يلجأ إليه بحثا عن إقامة أو عن عمل حتى لو كان مؤقتًا ريثما تنفتح له آفاق أخرى . 
لقد كان حسه العروبي و الإنساني أرفع من الحسابات المالية التي يفترض أن يأخذ لها حسابا ذلك أن صناعة الإعلام هي صناعة هشة لايمكن أن تتحكم فيها دائما المخططات و الاستراتيجيات فيمكن لمقالٍ ما أو حتى لكلمة أن  تُطيح بكل الخطط و بكل الاستراتيجيات و بكل عمليات التصرف الرشيد، فكرم الرجل و طيبته و حسه الإنساني الرفيع ،     كل هذا يتغلب على حس رجل الأعمال و على حسابات الربح و الخسارة .
 لقد جاء  المزروعي من عالم النفط و البنوك إلى الصحافة مدفوعا بشغف الكتابة و بحب الوطن الذي أراد أن تعكس الفجر صورته، في بداية السبعينات من القرض الماضي، و هو ينمو و يعلو و يكبر و يحتل المكانة التي تليق به إقليميا و دوليا تحت راية المؤسس الحكيم الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله .
لم تكن الفجر محطة عابرة بالنسبة لي بل بيت وأسرة كبيرة اغتنيتُ فيها إنسانيا و مهنيا و تعلمت فيها الكثير من خبرات الحياة و المهنة من ذلك المطبخ الإعلامي الكبير الذي كان يجمع صحافيين من بلدان مختلفة و من خلفيات فكرية عديدة و من مدارس صحفية متنوعة ... و كان الأستاذ الراحل عبيد يُقْدِمُ علينا في مكاتبنا المريحة و قاعة تحريرنا الواسعة بفائض من الحياة و النشاط و البِشر و الابتسامة الهادئة لا ليراقب ما نكتب أو ليسأل عما أنجزناه و ما لم ننجزه يل ليسألنا عن آرائنا في ما يقع حولنا من أحداث كبرى و من سياسات تتحكم في العالم و عن تصوراتنا لمآلات تلك الأحداث و تبعاتها على الوطن العربي . كان يسأل بتواضع واهتمام و كأنه ليس هو القريب من دوائر أصحاب القرار السياسي و الاقتصادي فأغلب هؤلاء كانوا من مجايليه ممن درسوا معه و من عملوا معه و من ساهموا معه في إنشاء أولى المؤسسات البنكية بالبلاد و ممن حملوا على أعناقهم بناء مؤسسات دولة الاتحاد الأخرى .
لقد حمله فضوله وحب تعميق المعرفة إلى السفر كثيرا كما قاده حسه النقدي إلى الاطلاع على تجارب عديدة من العالم و تقييمها.
كان الأستاذ عبيد المزروعي (رحمه الله) لا يضيق بالاختلاف : اختلاف الأفكار و المواقف لذلك اتسع صدره للصحافيين من ذوي المشارب الفكرية و السياسية المختلفة  وكان حريصًا على أن ُيُثري هذا التنوعُ الجريدةَ و يُضفي عليها حياة في ظل الالتزام بمبادئ الصحافة الجادة و المسؤولة. والى جانب هذا الانفتاح كان مجددا مُصغيا إلى إرهاصات التغيير في بلاده فقد شجع مبادرة تقدم بها الشاعر الراحل حبيب الصايغ رئيس التحرير قي إحدى فترات ازدهار الجريدة بإحداث ملحق ثقافي يتابع الحركة الثقافية بالإمارات التي بدأ يُثريها كتاب محليون و كتاب عرب وافدون كما يعكس الحركة الثقافية في الوطن العربي بل حتى في العالم و أنني أذكر بكل اعتزاز مما أذكر، و قد كنت أشرف على ذلك الملحق الذي كان أول ملحق ثقافي يصدر بالإمارات، ذلك الحوار الممتع الذي أجريته مع رئيس الوزراء التونسي السيد محمد المزالي لدى زيارة له للإمارات حول آخر إصداراته و كان كتابا حول الديموقراطية أو ذلك الحوار الذي نشرناه مع وزيرة الثقافة اليونانية التي لم تكن إلا الفنانة اليونانية ذات الصيت العالمي ملينا ميركوري و غير ذلك من الحوارات و التحقيقات مع كبار المبدعين العرب و الأجانب.
و كما كان الملحق الثقافي لجريدة الفجر أول ملحق ثقافي يصدر بالإمارات كذلك كان ملحق الشعر النبطي أول ملحق تصدره الجريدة في الصحف الإماراتية . كان المزروعي شاعرا بالفصحى و بالنبطي و كان يدرك أهمية الشعر النبطي كحافظ للذاكرة الجماعية وأيضا كصيغة من صيغ التعبير الفني و الأدبي الذي ينقل واقع اليوم. 
والطريف أن من نشر إنتاجه في هذا الملحق الذي أطلق عليه المزروعي « فجر الشعراء « لم يكن فقط من جيل الكهول أو المتقدمين في السن بل أيضا من شباب الجامعة فلقد أوكل الأستاذ عبيد أمر هذه الصفحة إلى ابنه أحمد عبيد المزروعي الذي كان آنذاك طالبا بجامعة العين و قد استطاع أن يستقطب إلى هذه الصفحة العديد من زملائه بالجامعة .
الاهتمام بالشباب الإماراتي وإتاحة الفرصة لهم لصقل تجاربهم و إثرائها كانا أيضا من مشاغل الأستاذ عبيد فلقد وظف العديد منهم بالجريدة، أذكر منهم الصديقة الشاعرة نجوم الغانم والصديق المرحوم أحمد راشد ثاني، كما وجد الإنتاج الأدبي للصديقة ظبية خميس المكانة التي يليق بها و طبعا دون التنويه إلى أن فترة تولي الراحل الصديق حبيب الصايغ لرئاسة الجريدة كانت من أخصب التجارب التي عاشتها الفجر .
 كان من الطبيعي بعد هذه الرحلة المُضنية في عالم الصحافة من مرحلة التأسيس و إعطاء الجريدة هويتها الخاصة والحفاظ عليها و على استمراريتها في ظل تحديات كبيرة أن يسلم الأستاذ عبيد المزروعي المشعل إلى الجيل الثاني من الأسرة فكان أن تسلمته بجدارة الابنة الكبرى و القديرة عائشة المزروعي و ها هي تواصل مع الدكتور شريف الباسل معركة استمرار الجريدة في ظل التحديات الرقمية و بوادر اندثار الصحافة الورقية لصالح الصحافة الافتراضية ..التحدي كبير جدا ولكن العزيمة أصلب منه.
 إلا أن شغف الكتابة لم ينقطع لدى الأستاذ عبيد المزروعي فلقد قاده هذا الشغف ليس فقط إلى مواصلة قول الشعر فصيحا و نبطيا و طبعه بل إلى كتابة مذكراته التي تستحضر رحلة كفاحه من الطفولة الى تأسيس جريدة الفجر و هذه المذكرات في الحقيقة تعكس أيضا و بالتوازي رحلة كفاح شعب نحت في الصخر لينتقل من التأسيس الى مرحلة التطوير و التحديث و بناء المؤسسات . و لكن عبيد المزوعي ظل محافظا على روح البدو في طيبته و كرمه و شهامته و مروءته التي تسبق كلامه ومواقفه الإنسانية الرفيعة و المُشَرفة لذلك يظل يسكن القلب و الذاكرة، اسما لمع وتلألأ في سماء الإعلام الإماراتي و في رحابة الإنسانية التي لا تُحد.