مونديال 2026 في ثلاث دول على حساب المناخ
تشهد نسخة كأس العالم 2026، الأكثر انتشارا جغرافيا في التاريخ، مشاركة 48 منتخبا تجوب الولايات المتحدة وكندا المكسيك، فهل يتجاهل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الاجراءات لحماية البيئة في سعيه المحموم نحو التوسع؟
قال دافيد غوغيشفيلي، عالم الجغرافيا بجامعة لوزان، لوكالة فرانس برس "انخفضت البصمة الكربونية للألعاب الأولمبية خلال النسخ الأخيرة، بينما الوضع معكوس تماما بالنسبة لكأس العالم للرجال".
وأضاف أن الأبحاث الجارية في جامعة لوزان حول الأحداث الرياضية الكبرى تشير إلى أن كأس العالم 2026 "من المتوقع أن تُنتج أكبر بصمة كربونية في تاريخ الرياضة الدولية، حيث تتراوح التوقعات بين 5 و9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون"، مقارنة بـ "حوالي 1.75 مليون طن" لدورة الألعاب الأولمبية في باريس 2024.
ومن المتوقع أن تتجاوز انبعاثات النسخة المقبلة من كأس العالم "11 حزيران-يونيو - 19 تموز-يوليو" بشكل ملحوظ أرقام انبعاثات مونديال 2018 في روسيا (2.17 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون) والذي أقيم على مساحة شاسعة ولكنه تضمن 40 مباراة أقل، وكذلك انبعاثات كأس العالم 2022 في قطر (3.7 ملايين طن)، وهي نسخة في بقعة جغرافية صغيرة لكنها تعرضت لانتقادات بسبب السرعة الفائقة في بناء الملاعب وضخامتها.
من ملعب تورونتو، "الأصغر" في مونديال هذا الصيف بسعة 45 ألف متفرج، إلى ملعب أرلينغتون (تكساس)، الأكبر بسعة 94 ألف متفرج، كانت جميع الملاعب الـ 16 مدرجة عند منح حق استضافة البطولة، وهي النقطة التي تم الترويج لها في عام 2018 من خلال ملف "متحدون 2026".
- ثمن التضخم -
وباستثناء المسافة بين المدن المضيفة، من فانكوفر إلى مكسيكو سيتي، مرورا ببوسطن وميامي ولوس أنجليس والتي قد تتجاوز أحيانا 4000 كيلومتر، فإن ذلك سيزيد من أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الفعاليات الدولية: السفر الجوي للفرق والمسؤولين والإعلاميين، وخاصة "أكثر من 5 ملايين مشجع" يتوقعهم فيفا.
يُعدّ التقدير الرسمي الوحيد لأثر الكربون، المُدرج في ملف الترشيح، والبالغ 3.7 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، أقل من الواقع، نظرا لزيادة عدد مباريات النهائيات من 80 إلى 104 مباريات.
وقد تعهد فيفا بعدما أعلن رئيسه السويسري جاني إنفانتينو "عزمه" على مكافحة تغيّر المناخ في مؤتمر التغير المناخي السادس والعشرين في غلاسكو، منذ عام 2018 "بقياس وخفض وتعويض" الانبعاثات المرتبطة ببطولات كأس العالم.
ورغم ذلك، امتنعت المنظمة عن أي تقييم أو وعد بشأن عام 2026، منذ أن سلطت لجنة النزاهة السويسرية الضوء عليها في حزيران-يونيو 2023 بسبب الترويج المضلل لمفهوم "الحياد المناخي" لكأس العالم 2022.
وبعيدا عن النقاش الفني حول احتساب أرقام الكربون والتعويض منه، هناك ملاحظة واحدة تم الاتفاق عليها، وهي أن أفضل طريقة للحد من تأثير المنافسات الكبرى هي "الحد" من نطاقها، كما فعلت اللجنة الأولمبية الدولية بحصتها البالغة 10.500 رياضي للألعاب الصيفية، كما يشير غوغيشفيلي.
- تسرع متهور؟ -
ومع ذلك، فإنّ زيادة عدد منتخبات بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تُعدّ البطولة الأبرز لفيفا من 32 إلى 48 منتخبا، تُؤدي إلى عكس ذلك تماما، فـ "شهيته النهمة للتوسع" تُفضي إلى المزيد من المباريات، والمزيد من الرياضيين، والمزيد من المشجعين، والمزيد من الرحلات الجوية، والمزيد من البنية التحتية الفندقية، في حلقة مفرغة، كما يُوضح الباحث.
وفي شباط-فبراير 2025، سلّط معهد "الطقس الجديد" ومنظمة "علماء من أجل المسؤولية العالمية" الضوء في تقرير لهما على التكلفة المناخية لأي مباراة دولية، والتي تُقدّر بـ" 26 إلى 42 ضعفا مقارنة بمباراة على مستوى النخبة" على الصعيد الوطني.
وأضاف الباحثون "تُنتج مباراة واحدة خلال نهائيات كأس العالم للرجال ما بين 44 و72 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون (...)، أي ما يُعادل انبعاثات ما بين 31.500 و51.500 سيارة بريطانية على مدار عام كامل".
وبعيدا عن أن الأمر لن يقتصر على عام 2026، "يبدو أن إنكار فيفا للأثر البيئي سيستمر"، كما أعرب جيل باشيه الأستاذ بجامعة إيكس -مرسيليا، عن أسفه في مجلة أبحاث الإدارة.
منحت المنظمة شرف استضافة كأس العالم 2030 لاتفاقية ثلاثية غير مسبوقة، حيث ستُقام ثلاث مباريات في الأرجنتين والأوروغواي والباراغواي قبل أن تنتقل إلى المغرب وإسبانيا والبرتغال لاستضافة المباريات الـ 101 المتبقية.
أما كأس العالم 2034 فستُقام في المملكة العربية السعودية، في مناخ مشابه لمناخ قطر، ولكن مع 40 مباراة إضافية في بلد أكبر بكثير، في حين أصبحت شركة أرامكو السعودية العملاقة، أكبر شركة نفط في العالم، راعيا رئيسا لفيفا في عام 2024.