ميثاق الهجرة أمام أول امتحان.. اللاجئون يثيرون مواجهة بين إيطاليا وألمانيا
دخل الميثاق الأوروبي الجديد للجوء والهجرة أول اختبار عملي له، لكن الخلاف هذه المرة لم يأتِ من دولة معارضة للسياسة الأوروبية، بل من دولتين يفترض أنهما من أبرز الداعمين لتشديدها: ألمانيا وإيطاليا.
قضية شابة صومالية انتقلت من إيطاليا إلى ألمانيا تحولت إلى مواجهة قانونية وسياسية حول الدولة المسؤولة عن طلب لجوئها، لتكشف سريعاً أن الاتفاق الأوروبي الجديد يصطدم، عند التطبيق، بحسابات السيادة والضغط الانتخابي والمصالح الداخلية للدول الأعضاء.
ومع اقتراب استحقاقات انتخابية في البلدين، يختبر ملف لاجئة رمز لاسمها بـ «Abdirisaq W» ليس فقط قدرة برلين وروما على التفاهم، بل قدرة أوروبا نفسها على تحويل قواعد الهجرة الجديدة إلى سياسة مشتركة.
صومالية في قلب الأزمة
كانت برلين تعتزم إعادة اللاجئة إلى إيطاليا يوم الأربعاء التاسع عشر من أغسطس-آب، باعتبارها بلد الدخول الأول وفق القواعد الأوروبية. لكن روما أغلقت الباب في اللحظة الأخيرة.
واختارت رئيس الوزراء جيورجيا ميلوني المماطلة وعدم الالتزام بالإجراء.
النزاع القانوني يدور حول تفسير متعارض: برلين تقول إن قواعد الميثاق الجديد تسري فوراً لاستعادة النظام على الحدود.
بينما تتمسك روما باتفاق ثنائي من ديسمبر-كانون الأول 2025 تعتبره «شرطاً قاطعاً» يمنع تطبيق الميثاق بأثر رجعي على الملفات السابقة للثاني عشر من يونيو-حزيران.
نقطة الضعف الجوهرية
ماري-لور باسيليان-غانش، أستاذة القانون العام في جامعة جان مولان ليون-3، علّقت على الهواء في «راديو فرانسا الدولي (RFI)» بالإشارة إلى أن الإطار القانوني نفسه يحمل تناقضاً، قائلة «بموجب لائحة دبلن 3 لعام 2013، دولة الدخول هي المسؤولة.
لكن اتفاق 2025 نصّ على تسهيلات لإدارة رفض إيطاليا للتحويلات.
هذه الحادثة تكشف أن الدول الأعضاء، بدلاً من تطوير ردود أفعال مجتمعية مبنية على مبدأ التضامن، تلجأ إلى الانسحابات الوطنية المقلقة».
لقاء الأنداد ينتهي بخلاف
ما يُضاعف الحرج السياسي هو أن الرجل والمرأة في قلب هذا الخلاف كانا حتى وقت قريب يتبادلان الابتسامات ويُعلنان التنسيق.
فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيسة الوزراء الإيطالية ميلوني وقّعا معاً رسالة إلى بروكسل تطالب بصرامة أكبر في ملف الهجرة، حتى أطلق عليهما الإعلام لقب «ميرتسوني». واليوم، توقف هذا الحماس أمام جدار السيادة الوطنية.
الضغط الانتخابي يُعقّد المشهد
ليند سيل، محللة في مؤسسة السياسة الخارجية الألمانية (DGAP)، تُقدم لصحيفة «لو فيغارو» الفرنسية قراءة أقل حدة قائلة: «لا أعتقد أن هذا سيُفضي إلى توتر أعمق. يجب أن نضع في الحسبان أن ميلوني تخضع لضغط داخلي قوي، خاصة من الجناح اليميني، مع انتخابات تشريعية في الربيع».
وتُضيف: «لدينا هنا مصالح مختلفة جداً تحركها السياسة الداخلية. ألمانيا تريد أن تُظهر قدرتها على التصرف والترحيل. وإيطاليا يجب أن تُظهر لناخبيها أنها لن تقبل بالجميع. المنظومة الأوروبية تصطدم هنا بحدودها».
ميلوني من جهتها تُواجه منافسة من تشكيلات أكثر تطرفاً، في مقدمتها حركة الجنرال السابق روبرتو فاناتشي الذي يتهمها بالتساهل مع بروكسل.
وهي بدورها تشترط الآن احتساب المهاجرين الذين تنقذهم منظمات إنقاذ ألمانية من البحر ضمن الحصص المقررة لألمانيا.
أما ميرتس فمُحاصَر بوعوده الانتخابية بحسم ملف الهجرة، في حين تُظهر الوقائع صعوبة هذا الحسم. وزارة الداخلية الألمانية مدّدت الثلاثاء ضوابط الرقابة على الحدود الخارجية لستة أشهر إضافية، لتبقى سارية بعد الخامس عشر من سبتمبر.
التهدئة تسبق انتخابات
ساكسونيا-أنهالت
على أرض الواقع، الحكومة الألمانية تتكتم على التفاصيل قبل انتخابات إقليمية مهمة في ساكسونيا-أنهالت مطلع سبتمبر/أيلول.
وأعلن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت عن لقاء قريب مع نظيره الإيطالي ماتيو بيانتيدوسي لتسوية الخلاف.
وقالت متحدثة باسم الوزارة الألمانية إن البلدين «يعملان معاً بشكل وثيق وثقة في ملفات الهجرة».
لكن الدرس الأوسع الذي يستخلصه المراقبون يبقى الأكثر مرارة: الاختبار الأول للميثاق الأوروبي الجديد كشف أن تطبيق الاتفاقيات الكبرى يظل رهيناً بالإرادة السياسية للدول الأعضاء، وأن هذه الإرادة تتذبذب مع كل استحقاق انتخابي داخلي.